وسط استمرار سلطات الرياض بمحاولات الانتقال أمام الغرب الى سياسات تدعي بأنها انفتاحية ومتطورة، تتكشف خيوط القمع المستشري في المملكة، على الرغم من ادعاءات الاصلاحات التي يقودها محمد بن سلمان، الذي أطلق العنان لحملة واسعة للاعتقالات طالت نخبة من الدعاة والمثقفين والخطباء والمفكرين وغيرهم. من هنا، أضاءت وكالة “بلومبيرغ” على التحولات التي تطرأ على “السعودية” في ظل القمع والترهيب المستشريان في اروقة البلاد، بفضل السياسات آل سعود. وفي تقرير تحت عنوان “ثورة السعودية من الأعلى ليس لديها مكان للنقاد”، بيّنت الوكالة أن الرياض تسعى لتقديم نفسها الى العالم على أنها اكثر انفتاحاً على الاعمال التجارية والاقتصادية، في ظل تمدد سلطة محمد بن سلمان،الذي يحاول التغطية على ممارساته الترهيبية عبر قوانين جديدة تجمّل صورته امام العالم، بينها “السماح للمرأة بقيادة السيارة”. “إنّ الفضاء المحدود للنقد والنقاش، والذي كان متواجداً في هذه الملكية المطلقة، يجري خنقه” يورد التقرير، الذي وصف السعودية أنها مملكة الخوف والقمع ورجال “نعم”، مشيرة الى التحولات في المواقف التي طاولت رجال دين متشدّدين كانوا من أشدّ المعارضين لقيادة المرأة للسيارة، لافتة الى أن “الداعية السعودي محمد العريفي، يقول في أحد الفيديوهات غير المشهورة، كيف على الرجل أن يضرب زوجته، لكنّه يظهر فجأة على التلفزيون الرسمي، بعدما قررت حكومة بلاده السماح للمرأة بقيادة السيارة، ليقول على الملأ كم عظيمة كانت هكذا خطوة”. وإلى جوقة المؤيدين لقرار سلطاتهم، انضم مشايخ آخرون، بعد أن كانوا معادين لأي خروج عن الطرق التقليدية، بعد أسابيع من حملة الاعتقالات المستمرة التي تطال مختلف الفئات، بتهمة “دعم أجندة متطرفة”، وفق تعبيرها. قمع أكثر.. مع رؤية 2030 الوكالة نقلت عن المتخصص بشؤون الشرق الأوسط في جامعة “نانيانغ” التكنولوجية في سنغافورة جيمس دورسي، أن السعودية أصبحت “أكثر قمعاً مما كانت عليه في الماضي”، لافتا الى أنّ المملكة “انفصلت عن عهد الملك عبد الله الذي سعى في كثير من الأحيان إلى التوصّل إلى توافق في الآراء” وفق قوله، وأضاف أنّ “السلمانيْن ( سلمان وابنه ولي العهد محمد) لا يتسامحان مع أي انتقاد على الإطلاق”. وبيّنت الوكالة أن ما كان يشهده البلاط الملكي من مد وجزر حول النفوذ، بدأ يتغير، منذ استطاع سلمان في تجاوز شقيقه عبدالله عام 2015، حيث تسارع التحوّل وضاقت دائرة صنع القرار، مع صعود ابن سلمان إلى مركز مهيمن في السلطة. رأت الوكالة العالمية أن محمد بن سلمان يسوّق رؤيته 2030 على أنّها “مجتمع نابض بالحياة”، مع زيادة عدد النساء في مركز العمل، وتوسيع خيارات الترفيه في المملكة، بينما يستند برنامجه الاقتصادي إلى تحوّل جذري من القطاع العام إلى القطاع الخاص، وتنويع المصادر بعيداً عن النفط، ويصنّف مبتكرين مبدعين مثل الرئيس التنفيذي لشركة “فيسبوك” مارك زوكربيرغ، كنماذج يُحتذى بها، وفق ما يقول دورسي. وعلى الرغم من تصوير محمد بن سلمان نفسه على أنه متعاوناً مع العديد من النقاد المحتملين، حيث وقف في إحدى المرات لأخذ صورة مع العريفي، وذراع الداعية المبتسم ملفوفة حوله، كما عقد اجتماعاً شخصياً مع رسام كاريكاتير كان يُعتبر حينها مع المعارضة، بحسب “بلومبيرغ”، فإنه في نهاية المطاف، يأتي التغيير من أعلى الى أسفل، وفق آراء مراقبين للوكالة. بدوره، يقول علي شهابي المدير التنفيذي لمؤسسة “العربية” في واشنطن المقرّبة من السلطات السعودية، “أنت بحاجة إلى يد قوية جداً لتحقيق ذلك من دون إثارة الفوضى”، ورأى أنّ البلاد “تمر بمرحلة وراثة أجيال، وتبذل الحكومة جهوداً شاقة لإعادة هيكلة البلاد، وسط انخفاض أسعار النفط، وهي تتعرّض لهجوم من الجهاديين الشيعة والسنة وإيران”، بحسب قوله. خاشقجي: الاعتقالات الاخيرة.. اغلاق مساحة حرية التعبير من جهة ثانية، أشارت الوكالة الى مغادرة عدد من السعوديين الى الخارج بسبب بشكل اضطراري، بينهم جمال خاشقجي ، الصحافي والمستشار الحكومي السابق، الذي يعيش حالياً في منفى اختياري فى الولايات المتحدة، حيث قال لـ”بلومبيرغ”، إنّ “السعودية لم تكن يوماً مجتمعاً منفتحاً، ولكنّها لم تكن أيضاً قط مملكة خوف”، واصفاً حملة الاعتقالات الأخيرة، بأنّها “جزء من إغلاق مساحة حرية التعبير”. تضييق فضاء حرية التعبير في السعودية، يؤثر أيضاً على الليبراليين، الذين غالباً ما يتعرّضون لإساءة المعاملة في المملكة، فعشية إعلان قرار السماح بقيادة السيارة، اتصلت السلطات بمدافعين بارزين عن حقوق المرأة، وحذرتهم من عدم الاحتفال علناً أو مواجهة عواقب، وفقاً لأربعة أشخاص على دراية بهذه المسألة، للوكالة، فيما رجّح أحدهم، أنّ السلطات لا ترغب في أنّ يُنسب فضل القرار للناشطين، وتفضّل تسليط الضوء على “دور القيادة”، في التوصّل إلى ذلك، مستدركة أن “مركز الاتصالات الدولية” الجديد التابع للحكومة، نفى الادعاء، قائلًا إنّه “لم يُراقب أي شخص أو يُحذر من التعبير عن آرائه”. رجال الـ”نعم” أما ما يتعلق برجال الـ”نعم”، سلّطت الوكالة الضوء على حملة الاعتقالات السلطوية، مشيرة الى أنه اعتقل 22 شخصاً خلال الاسبوع الماضي، بزعم ” إثارتهم الرأي العام” على وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة الى أن عدداً من المحسوبين على النخبة السعودية بحسب توصيف بلومبرغ، يبحث عن طرق للخرج من المملكة. وبحسب “بلومبيرغ”، فإنّ ما اسمته بـ “الاندفاع الجريء” لمحمد بن سلمان، على المسائل الاقتصادية والاجتماعية، يقابله سياسة خارجية صارمة، ثبت أنّ نتائجها الملموسة بعيدة المنال، لا سيما في العدوان على اليمن وخلق الازمة مع قطر.

المصدر: مرآة الجزيرة