كتب، نيك تورس، مؤلف كتاب «قتل أي شيء يتحرك: الحرب الأمريكية الحقيقية في فيتنام» مقالًا على موقع «ذي إنترسبت» يعلق فيه على السلسلة الوثائقية الشهيرة، «حرب فيتنام»، ويسلط الضوء على الأضرار الهائلة الناتجة عن الحرب ومآسي الفيتناميين المدنيين.
وينقل تورس عن المخرج كِنْ بِرْنز الذي علق على سلسلته الوثائقية، «حرب فيتنام» قائلًا: «أظن أن الأمريكيين عادة ما يفكرون في أنفسهم فقط كلما تبادرت إلى أذهانهم حرب فيتنام ، إلا أنهم لو أرادوا حقًا فهمها، أو الإجابة عن السؤال الجوهري، «ماذا حدث؟»، فعليهم الوقوف في المكان الصحيح، لكي يتمكنوا من فهم كل أبعاد الحرب وأطرافها، فقد دارت معارك عديدة بين جنود فيتنام الجنوبية، والمستشارين العسكريين الأمريكيين، وخصومهم، الثوار الجنوبيين (فييت كونغ)، وجنود فيتنام الشمالية؛ لذا يجب خوض غمار هذه الحرب ومعرفة ماذا كان يدور في نفوس كل منهم».
قضى بيرنز ومساعدته في الإخراج، لين نوفيك، عشر سنوات لإنجاز «حرب فيتنام» بمساعدة المنتِجة سارة بوتشتاين، والكاتب جيوفري وارد، و24 مستشارًا، بالإضافة إلى آخرين، فجمعوا 25 ألف صورة، وأجروا ما يقرب من 80 مقابلة شخصية مع أمريكيين وفيتناميين، وأنفقوا قرابة 30 مليون دولارًا أمريكيًا على المشروع؛ لإنتاج سلسلة تتكون من 18 ساعة من روائع السرد القصصي، يعتز بها كل من بيرنز ونوفيك كثيرًا.
ويقول تورس يوفر وثائقي «حرب فيتنام» الكثير من اللقطات القديمة العظيمة، والصور المذهلة، والكثير من المقاطع الصوتية المدهشة. «ربما هذا هو ما يعنيه بيرنز بـ(الوقوف في المكان الصحيح لمعرفة أبعاد الحرب). ويبدو أن المسلسل مصمم بشكل جيد لجذب أكبر جمهور أمريكي ممكن. ولكن هل يجيب لنا على سؤال (ماذا حدث؟)، لا أرى أدلة كثيرة على ذلك».
ويضيف تورس: «قضيت أنا أيضًا عقدًا من الزمن في ملحمة حرب فيتنام، مثل بيرنز ونوفيك، على الرغم من أني استخدمت ميزانية أصغر بكثير، لإنتاج كتاب بعنوان (Kill Anything That Moves). وتحدثت مع عسكريين من الرجال والنساء، وأمريكيين وفيتناميين. اعتقدت مثل بيرنز ونوفيك أنني يمكن أن أكتشف (ماذا حدث؟). استغرق الأمر مني سنوات لإدراك أنني كنت مخطئًا. قد يكون هذا هو سبب رأيي حول «حرب فيتنام» على أنها بحر لا نهاية له على ما يبدو».
الحرب ليست قتالًا فقط
الحرب ليست قتالًا، على الرغم من أن القتال هو جزء من الحرب. المقاتلون ليسوا المشاركين الرئيسيين في الحرب الحديثة.
ويقول تورس أن الحرب الحديثة تؤثر على المدنيين أكثر بكثير وأطول بكثير من المقاتلين. قضى معظم الجنود الأمريكيين وقوات المارينز 12 أو 13 شهرًا، على التوالي، في فيتنام. فالفيتناميون من مناطق فيتنام الجنوبية –كما كان يطلق عليها سابقًا– في مقاطعات كوانغ نام، وكوانغ نغاي، وبنه دنه، وكذلك قاطني المراكز المزدحمة بالسكان حول دلتا نهر الميكونغ والتي كانت بؤر الصراع وقت الثورة، عاشوا الحرب أسبوعًا بعد أسبوع، وشهرًا بعد شهر، وسنة بعد سنة وعقد لآخر. ويبدو أن بِرْنز ونوفيك أغفلا أولئك الناس، و أغفلا قصصهم، وبالتالي أغفلا القلب المظلم للصراع.
ويضيف تورس أنه من أجل حرمان أعدائهم الفيتناميين من الغذاء والمجندين والاستخبارات وغيرها من أشكال الدعم، حولت سياسة القيادة الأمريكية مساحات واسعة من تلك المقاطعات إلى «مناطق قتالية»، خاضعة لقصف مكثف وقصف مدفعي صُمم صراحةً لخلق أزمة لاجئين، ليخرج الناس من منازلهم باسم «تهدئة الأوضاع». ثم أضرمت النيران بالمنازل، وجرفت القرى بأكملها، واضطر الناس للذهاب إلى مخيمات اللاجئين البشعة والأحياء الفقيرة القذرة في ظل نقص المياه والغذاء والمأوى.
وينقل الكاتب عن مئات الفيتناميين الذين تحدث إليهم من القاطنين في تلك المناطق، إذ يقولون إنهم يخرجون من منازلهم ثم يجبرون على العودة إلى الخراب، لأسباب ثقافية ودينية عميقة، وكثيرًا ما يفعلون ذلك ليبقوا على قيد الحياة. وأوضحوا كيف كانوا يعيشون حياتهم لسنوات تحت تهديد القنابل والقذائف المدفعية وطائرات الهليكوبتر الحربية. وتحدثوا عن منازل أحرقت مرارًا وتكرارًا، قبل أن يتخلوا عن إعادة بنائها، وحكوا عن الهرولة إلى الملاجئ عندما يبدأ إطلاق نيران المدفعية. ثم حكوا عن لعبة الانتظار.
لعبة الانتظار.. كم من الوقت عليك البقاء في الملجأ؟
يتساءل تورس إلى متى ستبقى في ملجئك؟ بطبيعة الحال، وقتًا طويلًا بما فيه الكفاية لتجنب القصف، لكن ليس لمدة طويلة جدًا؛ فقد يصل الأمريكيون وقنابلهم اليدوية، إذا غادرت الملجأ، بعد وقت قصير، فإن نيران رشاشات الهليكوبتر قد تقطعك إلى نصفين. أو ربما تقبض عليك القوات الأمريكية أثناء انسحاب المقاتلين بعد تبادل لإطلاق النار. ولكن إذا انتظرت وقتًا طويلًا جدًا، قد يبدأ الأمريكيون بإلقاء القنابل اليدوية داخل الملجأ، لأنه «قد يكون ملجئًا لجنود العدو».
وييستطرد تورس فيما أخبروه هؤلاء الفيتناميون عن الانتظار، والزحف في الظلام، وهم يحاولون تخيل ردود الفعل المحتملة للجنود الأمريكيين الشباب الغاضبين الخائفين المدججين بالسلاح الذين وصلوا إلى عتبات أبوابهم، «لم تكن حياتك أنت فقط على المحك؛ قد تمحى عائلتك بأكملها. واستمرت هذه الظروف لسنوات، حتى أنه كانت هناك صعوبة في اتخاذ قرار لترك حدود هذا المأوى، ليلًا أو نهارًا، للترويح عن النفس أو جلب المياه أو محاولة لجمع الخضار لعائلة جائعة. أصبح الوجود اليومي سلسلة لا نهاية لها من تقييم مخاطر الحياة أو الموت».
كم عدد ضحايا الحرب؟
ويعلق تورس شعرتُ بالصدمة والمعاناة من كثرة سماع هذه القصص. ثم بدأ في تقدير أعداد الأشخاص المتضررين. ووفقًا لأرقام البنتاجون، ففي شهر يناير (كانون الثاني) 1969 وحده، نُفذت غارات جوية على أو بالقرب من قرى يعيش فيها 3.3 مليون فيتنامي. هذا شهر واحد من الحرب التي استمرت أكثر من عقد من الزمان. وهو ما جعل الكاتب يفكر في جميع هؤلاء المدنيين الذين يجلسون خوفًا من سقوط القنابل. إذ بدأ في حساب عدد الضحايا. حينها بدأ يفهم حجم الإجابة عن سؤال «ماذا حدث؟».
ويقول تورس: «بدأت في التفكير في أعداد أخرى أيضًا. إذ فقد أكثر من 58 ألف جندي أمريكي و 254 ألفًا من نظائرهم الفيتناميين الجنوبيين حياتهم في الحرب. فقد عانى خصومهم من جنود فيتنام الفيتناميين الشماليين والميليشيات الفيتنامية الجنوبية من خسائر فادحة».
ولكن رقم الضحايا المدنيين قزَّم تلك الأرقام تمامًا –بحسب الكاتب– على الرغم من أن الرقم الحقيقي لا يعرفه أحد، لكن تقدير الحكومة الفيتنامية بالإضافة إلى دراسة صدرت عام 2008 قام بها باحثون من كلية الطب بجامعة هارفارد ومعهد المقاييس الصحية والتقييم في جامعة واشنطن، أشاروا إلى مقتل حوالي مليونين من المدنيين، غالبيتهم في جنوب فيتنام. ويصل عدد الجرحى إلى 5.3 مليون. أضف إلى هذه الأرقام تشريد 11 مليون مدني من أراضيهم –يقول الكاتب– وتعرض 4.8 مليون شخص للمبيدات السامة مثل العامل البرتقالي. لم يذكر وثائقي «حرب فيتنام» الخسائر المدنية إلا في إشارات صغيرة.
الشاهد الحقيقي على الحرب
ويقول نيك تورس تبدأ الحلقة الخامسة من «حرب فيتنام»، تحت عنوان «هذا ما نقوم به»، مع روجر هاريس محارب سلاح البحرية المخضرم وتتحدث الحلقة عن طبيعة الصراع المسلح. ويقول فيها هاريس «أنت تتكيف مع فظائع الحرب. أنت تتكيف مع القتل، والموت، ومع مرور الوقت، فإنه لا يزعجك. يجب أن أقول، إنه لا يزعجك كثيرًا».
ويعلق تورس هذا ما يُعرض للمشاهدين على أنه الصورة الحقيقية للحرب. لذلك فكر في شخص أكثر ارتباطًا بالحرب من هاريس.
وكان اسمها «هو ثي» بصوت ناعم –يقول تورس– حكت لي عن يوم في عام 1970 عندما جاء مشاة البحرية الأمريكية إلى قريتها «لو باكي»، وكيف كانت تهرول هي وجدتها وجيرانها المسنون للوصول للملاجئ عندما وصلت القوات الأمريكية، وروت عن أحد الجنود الأمريكيين أنه صوب بندقيته نحو سيدتين مسنتين ميتتين وأطلق النار عليهما.
ويقول تورس حكت «هو ثي» قصتها بهدوء. لكن عندما انتقل إلى أسئلة أكثر عمومية انفجرت فجأة، وبكت بتشنج. وظلت تبكي لمدة عشر دقائق. ثم لـ15 دقيقة. ثم 20 دقيقة. ثم أكثر. وعلى الرغم من كل ما بذله الكاتب من جهود لتهدئة نفسها، فإن دموعها ظلت تتدفق كالفيضان.
ويضيف تورس تكيفت «هو ثي» مع ما حدث، ومضت في حياتها، لكن القتل والموت والفظائع تزعجها، فقد وصلت الحرب لبيتها، وأخذت جدتها، ولم تعد خائفة بشأن بقائها على قيد الحياة. فقد عاشت الحرب في كل يوم من شبابها وما زالت تعيش في أرض القتل.
المدنيون هم جوهر الحرب
ويقول تورس لا يمكن تصور معاناة جميع النساء والأطفال والرجال المسنين الذين تجمعوا في تلك الملاجئ، وأولئك الذين أحرقت قُراهم، وأولئك الذين بلا مأوى، أولئك الذين لقوا مصرعهم تحت القنابل والقصف، «وأولئك الذين دفنوا تعيسي الحظ الذين ماتوا»، لا يمكن تصور هذه الأعداد الهائلة من الفظائع. هذا هو جوهر الحرب.
إذا كنت تريد أن تعرف جوهر الحرب –يضيف الكاتب– ألقِ نظرة على الرجال الذين يعانون من تشوهات النابالم أو من ذوبان الوجوه بسبب الفسفور الأبيض. وابحث عن الجدات اللائي فقدن أذرعهن وأقدامهن، وندوب الشظايا والعيون الغائبة في وجوه المسنات. هذه الحالات ليست قليلة، حتى لو كان العدد يقل كل يوم.
ويختتم تروس مقاله قائلًا: «إذا كنت تريد حقًا أن تدرك (ماذا حدث؟) في فيتنام، فبالتأكيد يمكنك مشاهدة سلسلة (حرب فيتنام) ولكن أثناء ذلك، وبينما تشاهد السلسلة مُعجبًا بالمشاهد الأرشيفية النادرة التي حُسِّنت جودتها رقميًّا، مستمتعًا بالتسجيلات الموسيقية البارزة لأعظم فناني العصر، سابحًا في الموسيقى الآسرة لترينت ريزنور و أتيكوس روس، فقط تخيل أنك زاحف على الأرض بالطابق السفلي بمنزلك، والمروحيات القاتلة تحوم فوق رأسك، والمراهقون المدججون بالسلاح –الأجانب الذين لا يتكلمون لغتك – منتشرون في ساحاتك، ويصرخون بأوامر لا تفهمها، ويلقون القنابل اليدوية في قبو جارك، وإذا ركضت عبر ألسنة اللهب وسط الفوضى والدمار فقد يطلق أحدهم النار عليك».

المصدر: شفقنا