ترجمة: منى النابلسي
بعيداً عن التحركات المحتملة على الأرض، هل تغيير سياسة ترامب اتجاه القدس سيترتب عليه أي آثار حقيقية؟ 
في كانون الأول / ديسمبر 1949، أي قبل 68 عاماً، عندما قرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول ديفيد بن غوريون نقل العاصمة الى القدس، عارض العديد من زملائه هذه الفكرة. وقال وزير المالية اليعازر كابلان "إنّه سيكون خطأً فادحاً واستفزازاً غير ضروريّ للولايات المتحدة"، التي صنّفت توّاً القدس "كياناً منفصلاً"، خاضعاً للولاية القضائية الدولية. وأعرب رئيس الكنيست يوسف شبرينتزاك عن قلقه إزاء الخدمات اللوجستية لنقل البرلمان الى المدينة المعزولة آنذاك والحاجة الى إيجاد أماكن لكافة أعضاء الكنيست ليبيتوا فيها." وأضاف:"ان ترتيبات الانتقال كانت مصحوبة بالصراخ وظلّت تظهر الصعوبات." إلاّ أنَّ بن غوريون أصّرَعلى أن تُبسط سيادتها على النصف الغربي من القدس التي تُسيطر عليها، لمنع أي تحرك لـ"تدويل" المدينة.

لم تتحقق مخاوف المعارضين. لم تندلع الحرب ولم تُعلن العقوبات ضدَّ إسرائيل. ومن ناحيةٍ أخرى، لم يعترف العالم بأي سيادة إسرائيلية، ولو كانت على نصف القدس. وظلّت السفارات الأجنبية في تل أبيب. وبينما يقوم زعماء العالم بزيارات رسمية الى الجانب الغربي من مدينة القدس، فانهم لم يعترفوا مُطلقاً بأنها عاصمة إسرائيل. وبعد مرور ثمانية وستين عاماً على قرار بن غوريون، سيعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل. ولكن على الرغم من كل الغضب الذي يتسبب به إعلانه مسبقاً، فإنه من المحتمل أن يكون له تأثير بسيط على الأرض. 
ولم يتضّح بعد ما إذا كان الاعتراف سيبقى بادرة فارغة، ولكن من المحتمل أن يُوقّع ترامب التنازل لمدة ستة أشهر يؤجّل فيها النقل الفعلي للسفارة الأمريكية من تل أبيب. حتى ولو لم يفعل ذلك، فإنَّ نقل السفارة سيتجلى في تغيير بسيط للعلامة خارج القنصلية الأمريكية الغربية للقدس الغربية الحالية. وستظل جميع مهام السفارة تقريباً، لفترة طويلة، في تل ابيب. ولا تزال وزارة الخارجية الأمريكية في حالة من الفوضى منذ تنصيب ترامب، وهي تعاني من نقص شديد في عدد الموظفين. وهناك عملية لوجستية كبيرة لبناء سفارة جديدة في القدس، ونقل مئات الموظفين ستين كيلومتراً غرباً هو أبعد من قدراتهم الحالية. أما الدبلوماسيون الباقون، الذين هم ضدّ هذه الخطوة، فلن يكونوا على عجلة من أمرهم. 
لكن بغض النظر عن التحركات على الأرض، هل سيكون لإعلان ترامب أي آثار حقيقية؟ 
قد حذّر الفلسطينيون والأردنيون والأروبيون جميعاً من أنّها ستكون "ضربة لعملية السلام" التي ستكون فعلاً أمراً فظيعاً إذا كانت هناك عملية سلام- أو إذا كنت تعتقد أنَّ إدارة ترامب لديها فرة حقيقية للخروج مع خطة سلام قد يقلبها الإسرائيليون والفلسطينيون أكثر من أي وقت مضى. إذا كنت تعتقد أنَّ هذا هو خيار حقيقي، فلماذا نفس هذه الإدارة تقوم الآن برمي وجع هائل في الأعمال؟ وعندما تكون حكومة إسرائيلية وقيادة فلسطينية جادة مرة أخرى في صنع السلام، فإنَّ إعتراف الولايات المتحدة بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل لن يُشكّل عقبة أمام إستئناف عملية السلام. ولن يشمل الإعتراف الجانب الشرقي للمدينة الذي يُطالب فيه الفلسطينيون لعاصمتهم. 
وكانت مواقف ترامب الرئيسية للسياسة الخارجية حتى الآن موجهة للسعوديين الذين إعترضوا على إنتقال السفارة بأفواه صامتة جداً، ومن المؤكّد أنّهم سيقبلونها بهدوء. وهم أكثر تركيزاً على تحدي تأثير إيران المتزايد في المنطقة، ولا يتطلعون الى المجازفة بعلاقتهم مع الولايات المتحدة أو التحالف الصامت مع إسرائيل باسم الفلسطينيين. مصر، قوّة إقليمية أخرى تُركّز حالياً على قضاياها الخاصة، لا سيّما مُحاربة داعش في سيناء، ليست قلقة للغاية إزاء إحتجاج الفلسطينيين، وأكثر إهتماماً في الحفاظ على تعاونها الأمني مع إسرائيل في سيناء. والزعيم الإسلامي الوحيد الذي جازف  بمصداقيته الشخصية هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي هدّد بالتداعيات ضدَّ إسرائيل والتي وصلت الى حد قطع العلاقات الدبلوماسية. ولكن سيكون من الصعب عليه تبرير مثل هذه الخطوة بسبب قرار أمريكي، خاصةً أنَّ تركيا بدأت مؤخراً في إعادة بناء علاقتها مع إسرائيل. 
والنتيجة الحقيقية الوحيدة هي تجدّد موجة العنف من الفلسطينيين. ومن المؤكد أنَّ ذلك ممكن، وقد أعدّت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مجموعة متنوعة من السيناريوهات خلال الأيام القليلة القادمة. وفي حين أنَّ زيادة العنف لن تكون مفاجئة، فمن غيرالمحتمل أن تصبح موجة مطولة. 
وقد توقفت "إنتفاضة الطعن" التي بدأت في أواخر عام 2015 بعد بضعة أشهر، وظلّت إتجاهاً مقصوراً على أعمال الأفراد، ولم تنتشر على نطاق أوسع في المجتمع الفلسطيني. واستمرت موجة قصيرة أخرى من العنف بسبب الترتيبات الأمنية حول جبل الهيكل في تموز/يوليو من هذا العام أسبوعاً واحداً ولم تنتشرخارج القدس.ولا توجد شهية لنشوء إنتفاضة أخرى إن كان في غزة أو في الضفة الغربية، لذلك ليس هناك ما يدعو الى توقّع أنَّ هذه المرة ستكون مختلفة. ولا تزال الفصائل الفلسطينية تركّز على محاولة تحقيق التقارب بين فتح وحماس وتحسين الوضع الإقتصادي في قطاع غزة المحاصر. وأي إندلاع للعنف يكاد يكون شبه مؤكّد لفترة قصيرة جداً.
إنَّ السفارة الأمريكية في إسرائيل قد تنتقل أو لن تتحرك الى القدس بحلول الوقت الذي يترك فيه ترامب البيت الأبيض، ولكن حتى لو فعل ذلك، فمن غير المحتمل أن تحاكي دولاً أخرى ترامب وتنقل سفاراتها الى القدس في المستقبل القريب. 
ولن يؤثر ذلك على حياة المقدسيين، باعتبار أنَّ الحكومة الوحيدة التي يمكن أن تُحسّن الحياة في المدينة هي إسرائيل- على سبيل المثال عن طريق نقل وزارة الدفاع بالآف الوظائف والجنود من تل ابيب. وربما لن يغيّر الوضع على أرض الواقع، أو أن يجعل السلام مع الفلسطنيين أقرب، أو أكثر بكثير. انها مُجرّد بادرة فارغة أخرى من قبل رئيس متهوّر والتي سيتم نسيانها في غضون أيام قليلة. 

المصدر:
https://www.haaretz.com/israel-news/.premium-1.827051

المصدر: خاص شاهد نيوز