جددت الدول الأوروبية، أمس، تمسكها بالاتفاق النووي مع إيران، مُعلِنةً اعتزامها مساعدة شركاتها ومصارفها على دخول السوق الإيرانية. جاء ذلك في وقت كررت طهران رفضها الربط بين الاتفاق وأي ملفات أخرى، مدافِعةً عن دورها في المنطقة، والذي تصفه بأنه «دور رئيس في حفظ السلام»

في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة ضغوطها على «شركائها» الأوروبيين من أجل الدفع في اتجاه تعديل الاتفاق النووي الإيراني الذي يَعدّه الرئيس دونالد ترامب «أسوأ اتفاق على الإطلاق»، خرجت تلك الدول بمواقف جديدة أكدت فيها تمسكها بالاتفاق، بالتوازي مع مساعيها لتشجيع شركاتها ومصارفها على دخول السوق الإيرانية. مساعٍ من شأنها تدعيم موقف طهران التي تصرّ على الفصل بين الاتفاق وبين أي قضية أخرى (كالبرنامج الصاروخي الباليستي ودورها الإقليمي)، مشترطة تنفيذ مقتضيات «الخطة المشتركة الشاملة» قبل الشروع في أي بحث مغاير، وهو ما قد يكسبها اصطفاف الدول الأوروبية إلى جانبها في مواجهة الضغوط الأميركية على هذا الصعيد.

وسُجّلت خلال مؤتمر «يورومني» الاقتصادي، الذي انعقد أمس في باريس، سلسلة مواقف غربية أوضحت هواجس الأوروبيين إزاء ما يمكن أن يقدم عليه ترامب في 12 أيار/ مايو المقبل، الموعد المفترض لتقرير تجديد إعفاء إيران من العقوبات من عدمه. وأكد وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني، أليستر بيرت، أثناء المؤتمر، «(أننا) وشركاءنا الأوروبيين نريد للاتفاق أن ينجح. لا نريد أن نرى الاتفاق مع إيران ينهار»، مضيفاً «(أننا) نعمل لتهدئة مخاوف الولايات المتحدة كي نضمن استمراره»، مطالباً، في الوقت نفسه، إيران بـ«تجنب الأفعال التي تهدد الأمن الإقليمي».
من جهته، أعلن مدير العلاقات الثنائية في وزارة المالية الفرنسية، جوفري سيلستن أوربين، «(أننا) نشجع شركاتنا على القيام بأعمال في إيران»، لافتاً إلى أن «شركاتنا تواجه حالة من عدم اليقين، وهذا شيء على المرء أن يسلّم به إذا كان يريد القيام بأعمال في إيران». وأشار إلى «(أننا) على الساحة الدولية في حالة انتظار وترقب. لا أحد يعرف ما سيحدث بعد أيار». وأفاد بأن الصادرات الفرنسية إلى إيران قفزت بنسبة 120% في الأشهر الأحد عشر الأولى من 2017، لتبلغ 1.29 مليار يورو (1.6 مليار دولار)، في حين نمت الواردات بنسبة 80% لتصل إلى 2.16 مليار يورو.

لكن طهران لا تزال غير راضية عن هذه الوتيرة، وفق ما أكد مساعد وزير الاقتصاد الايراني محمد خزاعي في تصريحات على هامش مؤتمر «يورومني» الذي يبحث العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية بين أوروبا وإيران في ضوء الاتفاق النووي. وقال خزاعي إن استثمارات ما بعد الاتفاق «لم تلبِّ توقعاتنا لغاية الآن»، مضيفاً أن عملية دخول بعض الدول الأوروبية إلى إيران «لا تزال بطيئة إلى حد ما». وتابع: «تلقينا مؤشرات إيجابية من الحكومة والمصارف الفرنسية»، في إشارة إلى نية فرنسا مساعدة مصارفها على تمويل عمليات تجارية في إيران، لافتاً إلى «أنني هنا لهذا السبب، من أجل بناء الثقة». وجدّد المسؤول الإيراني التزام بلاده بالاتفاق النووي، معتبراً أنه «ليس من البساطة تقويض» الأخير، كونه يحظى بدعم مجلس الأمن الدولي.
على أن التزام إيران بالاتفاق لا يعني أنها مستعدة لـ«مساومة» الولايات المتحدة وحلفائها على قضايا أخرى، مقابل ضمان عدم الإضرار بـ«الخطة المشتركة»، بحسب ما جزم نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وقال الأخير، في تصريحات على هامش «يورومني»، «(إنهم) الآن يطلبون من إيران الدخول في مناقشات بشأن مسائل أخرى. إجابتنا واضحة... اعملوا على جعل الاتفاق تجربة ناجحة، ثم نناقش مسائل أخرى». وهذه المسائل يتصدرها دور إيران في «مكافحة الإرهاب»، وهو «دور رئيس في حفظ السلام وتحقيق الاستقرار، ولا علاقة بينه وبين الاتفاق النووي»، وفق ما رأى عراقجي الذي اتهم الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية بأنها «هي التي قادت المنطقة إلى أزمات وحروب».
وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد عبّر، قبل أيام، عن موقف مماثل في ما يتصل بالبرنامج الصاروخي الباليستي لبلاده. فقد جزم أن إيران لن تدخل في مفاوضات مع أي طرف بشأن قدراتها الدفاعية، و«إذا حاول أي مسؤول الحديث معنا في هذا الموضوع فجوابنا سيكون محكماً وواضحاً في هذا المجال». وسبق موقفَ روحاني تحذيرُ الحرس الثوري الإيراني الدول الأوروبية من التدخل في شأن قدرات بلاده الدفاعية، لا سيما الصواريخ الباليسيتية، ملوّحاً بأنه «إذا ما حصل ذلك، فستزيد طهران من مدى الصواريخ». وجاءت هذه المواقف الإيرانية المتشددة بعدما ألمح الأوروبيون، وخصوصاً الفرنسيين، إلى نيتهم ممارسة ضغوط على إيران، بهدف دفعها إلى الموافقة على فرض رقابة على برنامجها الصاروخي، بما يتماشى مع ما يطلبه ترامب في نهاية المطاف.
غير أن طهران تعوّل، اليوم، على ما تسميه «اهتمام الدول الأوروبية بمصالحها الوطنية في التعامل مع إيران، بدلاً من الاهتمام بمصالح أميركا»، وتعتبر ذلك «مؤشراً إيجابياً» على حد توصيف خزاعي الذي أعرب عن اعتقاده بأن «الأوروبيين، بمن فيهم الفرنسيون والإيطاليون، يعتزمون التعاون مع إيران بصورة متوازنة». اعتقاد لا يبدو بعيداً من الواقع، بالنظر إلى حماسة الدول الأوروبية الشديدة لدخول السوق الإيرانية، ومحاولاتها الدفع بشركاتها «التي تتعامل مع الأمر بحذر فائق» في هذا الاتجاه. لكن تلك الإغراءات تظل محفوفة بمخاطر التعرض لعقوبات وغرامات أميركية، لا تزال واشنطن مسلطة سيفها على الشركات والمصارف الكبرى التي تبادر بالتعامل مع طهران. من هنا، تبدو خطط إيران للاستفادة من الاتفاق، والتي كان آخرها ما أعلن عنه أمس من نيتها زيادة إنتاجها النفطي بحوالى 700 ألف برميل يومياً (في حال توصلها إلى اتفاقات مع شركات دولية لتطوير أربعة من حقولها)، محاطة بالكثير من الشكوك، ما دامت «الخطة المشتركة» موضوعة على «جهاز إعاشة».

المصدر: الاخبار