تنبئ خريطة الانتشار العسكري الأميركي في العراق، والذي يبدو أنه لا يزال مستمراً خلافاً لما أعلنته الحكومة قبل أيام، بأن الغاية الرئيسة من تمدّد الولايات المتحدة التضييق على «الحشد الشعبي»، وتقليص دائرة نفوذه

في وقت يستعدّ فيه العراق لإجراء الانتخابات النيابية المقررة في 12 أيار/مايو المقبل، وفي ظل أزمة إقرار الموازنة واستمرار الخلافات مع إقليم كردستان، بدأ ملف الوجود العسكري الأميركي يفرض نفسه سياسياً وإعلامياً، وسط تصاعد تهديدات فصائل «الحشد الشعبي»، والتي يبدو أنها «ممنهجة». وفيما يتكثف الحديث داخل أروقة البرلمان عن إرسال كتب رسمية إلى الحكومة بشأن الوجود العسكري الأميركي، وقرب استضافة رئيس الوزراء حيدر العبادي، تستمر الحكومة في تفادي الخوض في هذا الحديث، ما خلا تصريحات مكررة للعبادي وفريقه الحكومي تشدد على «الحاجة إلى طيران التحالف الدولي».

وكانت التسريبات التي نشرتها وسائل إعلام أميركية قبل أيام بشأن بدء القوات الأميركية تخفيض أعدادها في العراق تمهيداً لانسحابها، والتي بادرت حكومة العبادي إلى تأكيدها قبل أن ينفيها الـ«بنتاغون»، أعادت إحياء الملف بقوة هذه المرة، بل وأعطت زخماً لدعوات مناوئي الوجود العسكري الأميركي، وفاقمت من حالة الحرج الحكومي.
وأكد المتحدث باسم الـ«بنتاغون»، إيريك باهون، حينها، في تصريحات تلفزيونية، أن «واشنطن لا تنوي سحب أي جندي أميركي من العراق على المدى القريب»، كاشفاً عن وجود 5200 جندي «بعلم بغداد». ورفض باهون الكشف عن عدد الوحدات الخاصة التي تنتشر بين الحين والآخر بشكل سري، مذكّراً بأن «عدد القوات الأميركية في العراق قابل للارتفاع أو الانخفاض وفقاً لمتطلبات الواقع الميداني».

لكن في المقابل، يبدو أن هذا العدد أقل بكثير مما هو في الواقع، وفقاً للمعلومات المتوافرة لدى فصائل «الحشد»، إذ يؤكد الأمين العام لحركة «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، أن عدد الأميركيين يزيد على 7500 جندي متوزعين على 10 قواعد، فيما يتحدث الناطق باسم «كتائب حزب الله»، محمد محيي، عن وجود أكثر من 10 قواعد أميركية في العراق، من ضمنها خمس في كردستان، وعن نية أميركا «إنشاء قاعدة جديدة في الإقليم». ويهدّد محيي بأنه «في حال أقرّت واشنطن والحكومة تثبيت الوجود الأميركي في العراق، فعلى الأمريكان مواجهة فصائل المقاومة، وعلى رأسها كتائب حزب الله».
في مقابل تلك التهديدات، تعمل أطراف أخرى كانت قد وافقت على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها «على مضض»، على ربط الوجود الأميركي بهذا الاستحقاق، عبر اعتبارها الأول ضمانة لعدم تزوير الأخير. في هذا الإطار، يكشف مصدر مطّلع في «اتحاد القوى العراقية»، لـ«الأخبار»، عن عزم «الاتحاد» على «مفاتحة الحكومة العراقية قريباً بمطلب نشر قوات أميركية في المناطق السنيّة، لتأمين الانتخابات ومنع أي ضغوطات قد تمارَس» على الناخبين. ويضيف المصدر أن الكتلة تنوي أيضاً مطالبة الحكومة بنشر قوات مكافحة الإرهاب في «المناطق السنية» بدلاً من قوات «الحشد الشعبي» والشرطة الاتحادية، في حال لم تفلح مساعي «الاتحاد» في نشر قوات أميركية هناك. كذلك، يكشف المصدر عن وجود محاولات لإقناع الحكومة بالإبقاء على قواعد عسكرية أميركية في البلاد، إحداها قرب الحدود الإيرانية العراقية.
مصدر آخر يتحدث، بدوره، عن وجود ما يسمّيها «نوايا»، منذ فترة ليست بالقصيرة، لتحويل النقطة المشتركة بين القوات الأمنية و«التحالف الدولي» قرب إمام ويس، المحاذية للحدود العراقية الإيرانية، إلى قاعدة أو «شبه قاعدة» أميركية، بهدف التضييق على وجود «الحشد» في المناطق المجاورة (جلولاء والسعدية والمقدادية)، والتي تعتبر من ضمن المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل.
وتشير خارطة القواعد العسكرية الأميركية، بحسب المصدر الذي كان يتحدث إلى «الأخبار»، إلى أن الولايات المتحدة تستهدف، خصوصاً، إقامة قواعد في المناطق التي يوجد فيها «الحشد»، إذ إن من بين القواعد التي تم إنشاؤها، أو يجري العمل على إنشائها، قاعدة القيارة التي تستهدف منع تمدد «الحشد» في مناطق الشرقاط (التابعة لصلاح الدين) والحويجة (التابعة لكركوك والتي تقطنها غالبية عربية) وقاعدة قرب تلعفر (تابعة لنينوى)، وبالتالي منع تمدّده نحو سنجار والحدود العراقية ــ السورية شمالاً.
ولا يخفي عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، والنائب عن «اتحاد القوى»، عبد الرحيم الشمري، تأييده بقاء القوات الأميركية في العراق، معتبراً في حديث إلى «الأخبار» أن ما يردده البعض بشأن انتفاء الحاجة للوجود الأميركي «سابق لأوانه في ظل التحديات الأمنية والسياسية». ويرى الشمري، وهو قيادي في «الحشد العشائري»، أن «وجود القوات الأمريكية في العراق ضروري في هذه المرحلة، ولا سيما قرب الحدود العراقية ــ السورية لمنع تسلل أي عناصر إرهابية».

المصدر: جريدة الأخبار