بعد عشر سنوات على تدمير طائرات سلاح الجو الإسرائيلي المفاعل النووي، سُمح بنشر تفاصيل عملية "خارج الصندوق"، المداولات والخطط والتوثيق الكامل وتفاصيل العملية والعمليات التي تلتها. اشكنازي ويدلين وشكدي وليفني وبيرتس وباراك والطيارون، جميعهم يستعيدون الحدث

في الـ 6 من سبتمبر 2007 خرجت طائرات سلاح الجو في مهمة قصف المفاعل النووي في سوريا، من حينها، عدا عن المنشورات التي تعتمد على الإعلام الأجنبي والقليل من تصريحات الرقابة العسكرية حول حقيقة وقوع الهجوم، والتلميحات من قبل عناصر في المنظومة السياسية والأمنية؛ لم تُحك الحكاية كاملة. اليوم وبعد عشر سنوات أمكننا ان نكشف عملية "خارج الصندوق"؛ الأصوات التي من وراء القرار المصيري والتخطيط والتنفيذ والمخاوف لدى القيادة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.

الإشارة الأولى على وجود المفاعل النووي السوري جاءت في أيام حرب لبنان الثانية، "قسم البحوث في المخابرات العسكرية حضروا عندي، وقالوا لي: لسنا متأكدين، ولكننا نطرح فرضية أن السوريين يبنون مفاعلًا نوويًا" يقول الجنرال المتقاعد عاموس يدلين، الذي شغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية في العام 2007. بعد الحرب، غادر دان حالوتس مكتب رئيس الأركان، وحل مكانه غابي اشكنازي الذي تلقى التقدير الأولي من "أمان" (الاستخبارات العسكرية).

بعد القصف، نشر تقرير استقصائي كبير في "نيويورك تايمز" طرح فيه اسم ابراهيم عثمان، الذي شغل منصب رئيس اللجنة السورية للطاقة النووية، وفق ما كتب حينها بالتقرير الاستقصائي في شهر مارس 2007 فقد نجح عملاء "الموساد" بالتسلل إلى حاسوب عثمان الشخصي، وأن يسحبوا منه المعطيات التي سدّت فجوات المعلومات بشأن برنامج سوريا النووي. "هذا يجمع التفاصيل في صورة واحدة كاملة، ومن هنا تبدأ ديناميكا القرار بشأن ردنا، وما هي الطريقة التي ننوي العمل وفقها" يحكي عضو الكنيست عمير بيرتس، الذي شغل حينها منصب وزير الأمن.

شيئًا فشيئًا بدأت تتبلور المزيد والمزيد من قطع المعلومات التي قدمت صورة كاملة، وعلى رأسها العلاقة بين سوريا وكوريا الشمالية. في الـ "واشنطن بوست" نُشر فيما بعد ان سفينة كورية شمالية وصلت سوريا تحت قصة للتغطية تقول إنها إرسالية اسمنت؛ بهذه الطريقة هربت الأدوات والمواد لبناء موقع نووي وفق النموذج الكوري الشمالي، والذي أعد ليقام في قلب الصحراء السورية. اليوم أيضًا ليس في إسرائيل أحد مستعد لأن يصرح بأن الأمور سارت على هذا النحو بالفعل.

في مارس 2006، حضر رئيس "أمان" في حينه يدلين إلى مكتب رئيس الأركان اشكنازي، ووضع على طاولته الأدلة القاطعة على وجود الموقع. "أذكر ذلك وكأنه حدث بالأمس" يحكي اشكنازي، "رئيس أمان دخل عليّ المكتب ووضع أمامي المعلومات وقال لي: أتذكر أنه كانت هناك شبهات؟ إليك الأمر".

 

السيف على العنق

في هذه المرحلة، بدأت النقاشات في القيادة السياسية والأمنية حول طريقة العمل التي يجب على إسرائيل أن تنتهجها. "من تلك اللحظة كان يجب أن نسأل: هل هذا بالفعل هو الوضع؟ وهل تستطيع إسرائيل ان تتعايش مع هذا عندما يكون الجواب لا؟ وهل يمكن إحباط ذلك بالطرق السياسية" تحكي تسيبي ليفني التي شغلت حينها منصب وزيرة الخارجية في حكومة أولمرت. "بعد المداولات توصلنا إلى استنتاج بأنه لا، وقررنا ان الإحباط العسكري أفضل من محاولة إحباطه سياسيا"، ويضيف اشكنازي "دولة إسرائيل لا يمكنها ان تسمح بأن تكون دولة معادية لديها مثل هذه القدرة، ويجب ان نحارب من أجل ذلك، عندما يكون هناك سيف على عنقك يجب أن تشهر سيفك".

جميع الجهات المعنية اتفقت أن على إسرائيل أن تقصف المفاعل قبل أن يكون "ساخنًا"، بمعنى قبل أن يعمل، ولو كان كذلك فإن الضرر الذي كان سيحدث للبيئة وللسكان المحليين نتيجة للمواد التي ستنبعث منه أثناء قصفه سيكون كبيرًا، لكن في تلك الأيام، وبعد أشهر معدودة فقط من انتهاء حرب لبنان الثانية، لم يكن أحد من صناع القرار في إسرائيل يريد فتح حرب أخرى، إذ ليس بالإمكان أن نعرف كيف سيرد نظام الأسد على العملية الإسرائيلية.

"التحدي الأكبر كان إيجاد خطة تنجح فيها بتدمير المفاعل بمستوى بصمات وسرية كهذه، بحيث لا يجرنا الأمر إلى الحرب". يصف الجنرال متقاعد اليعازر شكدي الذي كان حينها قائد سلاح الجو، ويضيف يدلين "توصلنا إلى استنتاج: تنفيذ موضعي للغاية وببصمات خفيضة وعدم تبني المسؤولية".

 

"قلت لأولمرت: هذا المفاعل يجب أن يُدمر"

في الـ 12 من يونيو، فاز ايهود باراك بانتخابات قيادة حزب "العمل" وخلف بيرتس وزيرًا للأمن، مع دخوله منصبه أبدى باراك دعمه لعملية ضد المفاعل السوري، "قلت لأولمرت: بوركت هذا المفاعل يجب أن يُدمر" يصف باراك، لكن حسب أقوال ليفني فقد دار جدل صعب للغاية بين أولمرت وباراك حول مسألة التوقيت، "حجج وزير الأمن لم تكن حول: هل يستطيع الجيش الإسرائيلي ان يدمر المفاعل؛ وإنما هل نحن مستعدون لحرب شاملة؟" تقول وزيرة الخارجية حينها.

في نهاية أغسطس، صادق الكابينت على العملية، واعتمد ثلاثية أولمرت وباراك وليفني لتحديد الموعد بالتنسيق مع رئيس الأركان اشكنازي، التشاور مع الجهات الأمنية التي أبدت ثقتها بتنفيذ العملية، واتخاذ القرار.

 

"أرى القنابل تصيب الهدف"

في صباح الـ 6 من سبتمبر، استيقظ العقيد A قائد السرب الذي فجر المفاعل على صوت هاتف قائد السرب، "أذكر نفسي قبيل الفجر وأنا ذاهب للنوم، وانهض صباحًا على اتصال هاتفي من قائد السرب الذي قال لي: سننفذ العملية اليوم" يستعيد A الموقف، يقول شكدي ان "بعض الطيارين سمع عن الهدف للمرة الأولى، وما سيقوم به في نفس اليوم".

هذه الساعات المصيرية منقوشة جيدًا في ذاكرة اشكنازي، "الساعات التي تذكر كل دقيقة منها: أسرعنا إلى القيادة العامة ودخلنا البئر" قال، أثناء تعقب صناع القرار أثر العملية من البئر الواقع في "كرياه"، كان A يقوم بمهمته ومعه السرب في أعماق الفضاء (أجواء سوريا)، "أذكر انني رأيت الهدف ورأيت القنابل تحلق وتصيب الهدف" يستعيد الموقف، في هذه المرحلة قيلت كلمة السر التي بشرت بتدمير المفاعل "لديك شعور غير مفهوم بالفرح الكبير" يقول شكدي عن تلك اللحظات.

في الصباح الذي تلى الهجوم، افتتحت النشرات الإخبارية في أنحاء العالم بتكهنات متضاربة بشأن ما حدث في قلب الصحراء السورية، في إسرائيل يلتزمون الصمت. من حينها لم يعد السوريون إلى طريق إنتاج القنبلة النووية، الجنرال سليمان الذي قاد عملية بناء المفاعل اغتيل، وإلى اليوم لم يتبنّ أحد مسؤولية اغتياله.

عشر سنوات بعد تلك العملية، لم يبقَ سوى تأمل ما كان سيحدث لو أن السوريين توصلوا إلى قدرة نووية أو ان تنظيم "داعش" الذي عمل في منطقة المفاعل المقصوف وضع يده على هذه القدرات.

المصدر: أطلس للدراسات / ترجمة خاصة