مايو 2018 يُوصف في إسرائيل بأنه "مايو المجنون"، حسب التقديرات الاستخبارية والمستوى السياسي في إسرائيل، في مايو القادم ستدخل سياسة ترامب الجديدة على كثير من الجبهات التي تؤثر في الأمن القومي الإسرائيلي اختبارًا عمليًا، تنضم إلى هذه التقديرات الشائعات التي تزداد قوة، وسيما في العالم العربي، حول الهجوم الجوي المحتمل ضد القوات الإيرانية في سوريا، هذا الهجوم منسوب إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل أو كلاهما معًا، ليس هناك أي تأكيد أو إثبات رسمي بشأن التقديرات التي تتحدث عن هجوم مرتقب في مايو، لكن الموضوع يُناقش بجدية كبيرة في جميع مراكز أعصاب مختلف الجهات المتخاصمة في الشرق الأوسط عمومًا، وفي الجبهة الشمالية (إيران، سوريا، حزب الله، إسرائيل، والقوات الروسية) على وجه الخصوص.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو كان قد قدّر أمام أعضاء الكابينت السياسي - الأمني في إسرائيل بأن الرئيس ترامب سينسحب من الاتفاق النووي مع إيران قبيل الموعد النهائي القريب الذي ينتظره في هذه القضية (21 مايو)، نشر في الماضي أن إسرائيل تقف أمام معضلة متعلقة بتقوّي الإيرانيين في سوريا، فهل ستقوم بـ "ضربة استباقية وقائية عسكرية" وتبعد إيران عن الحدود الشمالية أم أنها ستسلم بالوضع الجديد؟ حسب التقديرات الاستخبارية في الغرب، فقد خبرت إسرائيل ارتباكًا حقيقيًا في هذه المسألة، هل "الخط الأحمر" الذي رسم بشأن التدخل الإيراني يستحق المخاطرة والدمار الكبيريْن اللذيْن تسببهما الحرب الاستباقية؟
عند عودته من زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، والتي التقى فيها أيضًا الرئيس ترامب (5 مارس)، صرح نتنياهو بأنه حقق خلال رحلته إنجازات تاريخية ومهمة لـ "الأمن القومي" الإسرائيلي، والتقدير هو أنه حصل على وعد باهت من ترامب بشأن الانسحاب من الاتفاق النووي، وربما أيضًا بالتعاون بشكل ما في كل ما يتعلق بالتحرك عسكريًا ضد القوات الإيرانية في سوريا. في إسرائيل يعربون عن ارتياحهم الكبير من التغيير الحاد الذي طرأ على السياسة الأمريكية تجاه إيران في حقبة ترامب، "بدلًا من السياسة التي تسعى إلى ترتيب تكون إيران فيه شريكًا استراتيجيًا؛ تعتبرها الولايات المتحدة الآن تهديدًا مركزيًا لمصالحها، ويسعون إلى تغيير الاتفاق النووي ويعارضون تدخل إيران المتزايد في المنطقة ونشر الإرهاب والصواريخ الدقيقة، بل وربما أيضًا يسعون إلى تعجيل تغيير النظام في إيران" هذا ما قيل في المراجعات الاستخباراتية في إسرائيل بالفترة الأخيرة.
هذا التغيير ينضم في المنظور الإسرائيلي إلى التغيرات الجوهرية المختلفة التي طرأت على السياسة الخارجية الأمريكية كما بدت في عام ترامب الأول في البيت الأبيض بكل ما يتعلق بالأوضاع في الشرق الأوسط: في القضية الفلسطينية تخلى الأمريكيون عن النموذج القديم، الذي في إطاره يُعتبر الترتيب الوحيد هو حل الدولتين، وأنه لا يتحقق إلا من خلال المفاوضات الثنائية بين إسرائيل والفلسطينيين. إنهم يشركون الدول العربية ولا يلتزمون بشكل الترتيب النهائي، ويبدون موقفًا واضحًا بالقضايا الأساسية قبل البدء في المفاوضات (القدس) ويعدون بالتفكير "خارج الصندوق".
إلى هذا كله، يجب ان نضيف التغيير العميق في السياسة الأمريكية في قضية كوريا الشمالية، والتغيير الظاهر في كل ما يتعلق بالسياسة في العراق وشرقي تركيا؛ من التركيز على محاربة "داعش" فقط وإخلاء الساحة لإيران وروسيا، يدرس الأمريكيون الآن بضغط من إسرائيل التدخل الأعمق الذي سيخصص من بين الكثير من الأمور للجم التوسع الإيراني.
شهر مايو القادم، وحسب التقديرات في إسرائيل سيتضمن أحداثًا مهمة في جميع هذه الملفات، في الـ 12 من مايو سيكون على الرئيس ترامب أن يقرر هل سيجدد إعفاء إيران من العقوبات الأمريكية المفروضة عليها وأن يبلور بشكل نهائي قراره بشأن الاتفاق النووي. في منتصف مايو يُفترض أن تنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس (عمليًا سيكون ذلك حدثًا احتفاليًا ونقلًا محدودًا للغاية لمكتب السفير فقط). الرئيس ترامب وزعيم كوريا الشمالية أون يُفترض ان يلتقيا "لقاءً تاريخيًا" في مايو أو يونيو (إلا إذا حدث بالفعل تغيير مفاجئ آخر على هذا الملف). في العراق تنتظر الانتخابات (12 مايو). في إسرائيل يتعقبون آثار جميع هذه الأحداث، ويشرحون ما يحدث وما سيحدث في محاولة لتشخيص الاتجاه الذي سيسلكه الرئيس ترامب وفرصه في تطبيق السياسة الجديدة المعاكسة تمامًا لسياسة سلفه.
إلى كل ما سبق، يجب إضافة التسخين العسكري على الجبهة الجنوبية في إسرائيل: في نهاية الأسبوع (17 مارس) دمّر الجيش الإسرائيلي نفقيْن هجومييْن آخرين لحماس (أحدهما دمّر عام 2014 في عملية "الجرف الصامد" وحاولت حماس ترميمه)، وزير الأمن ليبرمان صرح بأنه ولغاية نهاية العام سيكون من الممكن إسدال الستار على موضوع الأنفاق، هذا الأمر يرافقه التوتر والغليان الأمني بين إسرائيل وقطاع غزة بشكل يومي، وفي الأسبوع المنصرم تم تفجير عدد من العبوات الناسفة المنصوبة على الجدار الفاصل في القطاع، في واحدة منها أصيب جنديان إسرائيليان. احتمالات وقوع انفجار جديد على غرار "الجرف الصامد" تضاعفت في الأسابيع الأخيرة على ضوء الوضع الإنساني المتدهور داخل قطاع غزة أيضًا.
وفي الجبهة الفلسطينية الأخرى أيضًا في الضفة الغربية، كثرت في الأسبوعيْن الأخيريْن العمليات أعمال العنف ضد الإسرائيليين، ففي يوم الأحد (18 مارس) قتل حارس إسرائيلي بأيدي مهاجم فلسطيني، وقبلها بيوميْن قتل جنديان من الجيش الإسرائيلي في عملية دهس نفذها فلسطيني آخر. "جميع الدلائل تشهد على انهيار سريع لجميع الأرصدة والكوابح التي حافظت على الهدوء في مختلف الجبهات" قال لي أحد المقيّمين الإسرائيليين الكبار، وأضاف "كذلك حقيقة كوننا نشهد غسق أبي مازن، والشائعات حول وضعه الصحي، والطريق المسدود التي وصلت إليه حماس في غزة؛ لا يسهم هذا كله في تهدئة المنطقة".
هل ستجتمع كل العناصر المستطلعة هنا قبيل شهر مايو القادم وتحدث "عاصفة كاملة" تجر المنطقة برمتها إلى الحرب؟ الآن من المفترض "لا"، رغم أنه يدرس الأمر؛ إلا ان نتنياهو ستردعه حقيقة تورطه بالتحقيقات الجنائية ستؤدي على ما يبدو إلى انتهاء حكمه قبل ان تندلع الحرب. إضافة إلى ذلك لا ينبغي ان ننسى أن نتنياهو أيضًا يفهم الآن أن عهده يوشك أن ينتهي، فهل سيختار أن ينسحب بشكل عاصف ويبعد إيران عن حدود إسرائيل الشمالية كهدية وداع لشعبه؟ من يعرف نتنياهو لا يولي هذا الاحتمال رجوحًا كبيرًا، لكن في الشرق الأوسط كما قلنا كل شيء ممكن.

المصدر: أطلس للدراسات / ترجمة خاصة