أعلن وزير الاتصالات الإسرائيلي، أمس، عن زيارة مرتقبة له إلى الإمارات، «مُبشِّراً» بزيارات خليجية قريبة إلى إسرائيل. إعلان لن يكون تحقّقه مستغرباً في ظلّ التقارب المتزايد بين الجانبين، والذي بلغ حدّ الاعتراف بحق إسرائيل في قتل العرب، بما شكّل غطاءً ضمنياً مسبقاً لمجزرة غزة أمس

 

قد يكون في ظنّ القائمين على «مختبَر التطبيع» في منطقة الخليج، والمقصود به مملكة البحرين، أن بإمكانهم ومن ورائهم السعوديون والإماراتيون تصدير تفسيرات مختلفة لموقفٍ ساطع لا يحتمل التأويل، من قبيل: «لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها»، كما قال وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد آل خليفة، تعليقاً على الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا الأسبوع الماضي. يعتقد هؤلاء، ربما، أن التخرصات المكثّفة هذه الأيام حول كون الاشتراك مع تل أبيب في معاداة طهران لا يعني بالضرورة تحالفاً مع الأولى، يمكن أن تنطلي على الرأي العام، وأن الصراع مع إسرائيل ــ أقلّه على المستوى اللغوي ــ يمكن تفصيله على مقاس الرياض وأبو ظبي والمنامة بمعزل عن حقيقة مَن يقف إلى جانب الفلسطينيين ومن يقف ضدّهم.

لكن لإسرائيل «حقيقتها» الواحدة التي لا تفرّق بين أيّ من مقاوِميها أو من المُطبِّعين معها، وهذا ما تجلّى أمس في مسيرات ذكرى النكبة حيث تصرفت بأريحية تامة، مُطمَئِنةً إلى أن ثمة غطاءً عربياً ممتداً للقتل، بعدما وصف أحد وزرائها تصريحات آل خليفة بأنها «دعم تاريخي يعكس الائتلاف الجديد الذي يتشكل في الشرق الأوسط». ومع ذلك، لم تخجل السعودية والإمارات والبحرين من إصدار بيانات تدين «استهداف المدنيين الفلسطينيين العزل من قبل قوات الاحتلال»، وتعلن «توفير أدوية عاجلة ومواد طبية» لمعالجة الجرحى. هكذا، وفي وقت كان فيه الشهداء الفلسطينيون يسقطون واحداً تلو الآخر على حدود قطاع غزة، كان وزير الاتصالات الإسرائيلي، أيوب قرا، «يزفّ بشرى» زيارة سيقوم بها في حزيران/ يونيو المقبل إلى الإمارات بناءً على دعوة من الأخيرة، متوقّعاً زيارات قريبة لمسؤولين خليجيين إلى إسرائيل بشكل علني. زيارات لن تكون مستغربة في ظل الأنباء المتتالية عمّا بلغه التقارب بين تل أبيب وعواصم الخليج، والذي عبّر عنه بوضوح رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عشية ذكرى النكبة، حيث نطق بلسان حال جميع من لمّتهم «مصيبة» الاتفاق النووي الإيراني قائلاً: «مع كل احترامي للذين يتربعون في العواصم الأوروبية، إننا موجودون هنا في عواصم الشرق الأوسط ــ في أورشليم والرياض وغيرهما من الأماكن ــ بعدما شهدنا تلك التبعات المدمرة المترتبة على الاتفاقية الإيرانية».

شاركت الإمارات والبحرين في «طواف إيطاليا» الذي استضافته إسرائيل


تصريحات نتنياهو ذات الطابع «الحميمي» تؤكد التقديرات الرائجة عن أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي سينعكس إيجاباً على مسار قطار التطبيع. وهو ما بدأ يظهر بوضوح في مجاهرة المنابر الإعلامية السعودية بالدعوة إلى «تحالف إقليمي» على قاعدة «عدو عدوي هو صديقي» من «أجل درء الخطر الإيراني». دعوات تتذرّع بـ«النظرية المكيافيلية» لتبرير التطبيع مع إسرائيل، لكن أصواتاً مرافِقةً لها باتت لا تجد حرجاً في إعلان الودّ للإسرائيليين، والتشجيع على الاعتراف بوجودهم وتكريس احتلالهم. ولعلّ ما أدلى به أمس المدير السابق لـ«مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية والقانونية» ــ الذي يديره حالياً «صقر التطبيع» أنور عشقي ــ عبد الحميد الحكيم، يعدّ نموذجاً بالغ الدلالة عن ذلك، إذ تقدّم الحكيم بـ«التهنئة لدولة إسرائيل شعباً وحكومة بمناسبة هذا الحدث التاريخي (نقل السفارة الأميركية إلى القدس)»، بعدما كان دعا العرب إلى «استغلال الفرصة التاريخية» بـ«قبول قرار ترامب بشأن القدس، واستثماره سياسياً لمصلحتكم».
هذا التجرّؤ على كسر أي محظورات كانت تغلّف الخطاب الخليجي تجاه إسرائيل في ما مضى، ليس إلا استكمالاً لمسلكٍ «تطبيعي» لا تفتأ المؤشرات تتوالى إلى أنه ماضٍ بالسرعة القصوى. يوم السبت الفائت، كشفت وكالة «أسوشيتد برس» الأميركية أن سفيري الإمارات والبحرين في واشنطن، يوسف العتيبة وعبد الله بن راشد آل خليفة، التقيا نتنياهو في العاصمة الأميركية في آذار مارس/ المنصرم، موضِحةً أن اللقاء كان بداية مع المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية براين هوك، قبل أن يحضر نتنياهو وزوجته و«تحصل أحاديث ودية وتعلو الضحكات». وهي واقعةٌ رأت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أنها تجلّي «العلاقات الهادئة بين تل أبيب وأبو ظبي وبعض من جيرانها العرب، الذين يزداد اقترابهم من إسرائيل، رغم عدم اعترافهم رسمياً بوجودها».
«الاقتراب» هذا لا يقتصر على الجانبيَن السياسي والإعلامي، بل يتعدّاهما إلى الرياضة والترفيه، بهدف تحطيم الحواجز النفسية الحائلة دون تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتهيئة الأجواء لخطوات «تاريخية» لم تعد مستبعدة، من مثل زيارة الرئيس المصري السابق أنور السادات إلى تل أبيب. بخلاف ذلك، لا يمكن فهم اشتراك الإمارات وجهاً لوجه مع إسرائيل في بطولة أوروبا المفتوحة لكرة الشبكة يوم الجمعة الماضي، والذي علّق عليه المسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية، يوناتا جونين، بالقول: «الرياضة تنتصر وإسرائيل والإمارات يداً واحدة في بطولة كرة الشبكة»، وقبله بحوالى أسبوع مشاركة الإمارات والبحرين في سباق «طواف إيطاليا 2018» الذي استضافته إسرائيل أوائل الشهر الجاري، في خطوة أثارت اغتباط المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي، أوفير جندلمان، الذي غرّد قائلاً: «أهلاً وسهلاً بفريقي الإمارات والبحرين اللذين يشاركان في سباق طواف إيطاليا».

المصدر: جريدة الأخبار