التاسعة صباحًا، وفي حقول مستوطنة "ناحل عوز" قبالة معبر كارني، لم تكن هناك إشارة لما يُتوقع ان يحدث خلال اليوم، الحافلات على الجانب الغزي بدأت تتدفق إلى الحدود في حوالي الساعة العاشرة، لكن رغم ان الآلاف وصلوا هذه المرة مبكرًا نوعًا ما؛ لم يبدو الأمر مختلفا كثيرًا عن أيام الجمعة الأخيرة، لكن سرعان ما تطورت الأحداث بشكل سريع وعنيف، أكثر بكثير من الأسابيع الماضية. مقابل خمس نقاط احتكاك؛ يستعد الجيش الإسرائيلي هذه المرة لـ 11 - 13 نقطة احتكاك، وهذا ما كان بالفعل، من منطقة البحر وحتى كرم أبو سالم.

13 كتيبة من الجيش الإسرائيلي، ينتشرون في المنطقة، كتيبة مقابل كل نقطة احتكاك، القناصون في المقدمة ومعهم قادة الكتائب وفق العمق في الحقول، انبطح المقاتلون في حقول الحبوب مستعدين لإمكانية التسلل لعمق الأراضي الإسرائيلية. في كل يوم تحدث هذه المعركة، في واقع يكاد يكون غير مفهوم، استمر المزارعون بجراراتهم وحصاداتهم في العمل في الحقول التي تركوها خلال الأسابيع الأخيرة ملطخة ببقع سوداء كبيرة إثر أضرار الحرائق.

عدد الفلسطينيين الذين حضروا إلى الحدود أمس قدره الجيش الإسرائيلي بحوالي (40 - 50) ألف، ليس أكثر بكثير من الجمعة الأولى من الأحداث قبل حوالي شهر ونصف في يوم الأرض، لكن الفرق هذه المرة كان في طاقات وإصرار حماس على الذهاب أبعد بكثير وأكثر عنفًا. في الجيش الإسرائيلي قالوا بأن من يركب في الحافلة إلى الحدود حصل على 50 شيكل، عائلات بأكملها تلقت أكثر بكثير، وكما في يوم الأرض تلقى نشطاء حماس أوامر بأن يحضروا معهم عائلاتهم أيضًا إلى الحدود.

المعلومات الاستخبارية التي كانت لدى الجيش فاقت، بكثير من الخطورة، التعليمات التي اعطيت لمقاتلي وحدة النخبة (التي تعتبر القوة النوعية لدى حماس) بالتسلل إلى الأراضي الإسرائيلية من أجل محاولة القيام بعمليات وخطف جنود. حماس - وهذا ما يقوله الجيش الإسرائيلي - أدارت الحدث على انه مهمة عسكرية بكل معنى الكلمة. بتغطية من الأحداث العنيفة عملت هذه المرة الكثير من الخلايا "الإرهابية" التي نصبت عبوات متفجرة على الجدار، وفي واحدة من الحالات على الجدار شرقي جباليا، حدث تبادل لإطلاق النار بعد ان أطلقت خلية "مخربين" النار باتجاه قوات الجيش الإسرائيلي وتم القضاء عليها.

منذ الساعات الأولى كانت التعليمات واضحة للغاية: منع المتظاهرين بأي طريقة ممكنة من التسلل الجماعي إلى الاراضي الإسرائيلية. في الأسابيع الاخيرة كتبنا كثيرًا عن ان هناك الكثير من الأهمية لتخفيض عدد المصابين في الجانب الفلسطيني، وذلك لكي لا نقع في فخ حماس، والتي على الأقل - وفق صيغة عملها - يبدو أنها معنية بأكبر عدد ممكن من الإصابات، لكي تعيد الحديث عن غزة إلى جدول أعمال العالم.

رغم عدد الاصابات الكبير أمس، من المهم القول بأن مقاتلي الجيش الإسرائيلي واجهوا هذه المرة حدثًا معقدًا للغاية كان يمكن ان يتحول بسهولة إلى حدث "إرهابي" خطير في الجانب الإسرائيلي، مصحوبًا بمساس خطير بالسادة الإسرائيلية. في الجيش الإسرائيلي يفهمون جيدًا معنى عدد المصابين الكبير، وعملوا في الأسابيع الأخيرة على تقليل عدد المصابين، إلا انه وفي ظل المخاطر والتهديدات "الإرهابية"؛ تقرر أمس انتهاج خط صلب لا هوادة فيه، الرسائل نقلت بكل طريقة ممكنة تقريبًا إلى حماس وإلى سكان غزة، المصريون أيضًا حاولوا وقف ما كان معروفًا مسبقًا لكنهم ارتطموا بجدار من الفولاذ من قبل حماس في غزة، والتي يبدو من خلال تصرفها كما لو أنها تعمل مثل تنظيم ليس لديه ما يخسره.

هكذا، ورغم التهديدات في الشمال، يظنون في إسرائيل ان المنطقة التي فيها خطر الحرب أكثر ارتفاعًا هي منطقة غزة. بين حماس وإسرائيل تجري مواجهة لا يعلم أي من الطرفين حقًا ما يريده في نهايتها، في إسرائيل يقولون بأن حماس هي تنظيم يعيش ضائقة صعبة من دون أموال، وأن قطاع غزة ينهار أمام أعينهم.

بشكل عام، عندما ينقلون الرسائل بين إسرائيل وحماس، يتم ذلك من خلال المدافع. على الأقل في هذه المرحلة ليس هناك معلومة استخبارية عن تخطيط حماس لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، لكن في الأيام القريبة القادمة فإن الضغط من قبل العوامل الميدانية ومن قبل التنظيمات "الإرهابية" الأخرى يُتوقع ان يتزايد، وفي المقابل دعوات الانتقام لدماء الشهداء الكثيرين لديهم.

إمكانية إطلاق النار المحدود باتجاه إسرائيل والعمليات "الإرهابية" على الجدار مأخوذة في الحسبان بتقدير الوضع في "فرقة غزة"، وفي جميع الحالات فالتوجه هو توجه للتصعيد، ذلك رغم أنهم في إسرائيل غير معنيين بمواجهة مع قطاع غزة، وأيضًا ليس هناك خطاب حول إسقاط حماس في المستوى السياسي. أحداث الشمال أثبتت بالطريقة الأكثر وضوحًا ما هي التهديدات الكبرى، وما هي الأهداف الاستراتيجية المهمة لدولة إسرائيل في هذا الوقت، الحرب في غزة ليست واحدة منها، لكن يتضح انه من دون قرار واضح في القيادة السياسية فإن دولة إسرائيل ذاهبة ومجرورة باتجاه مواجهة عسكرية في غزة، هي غير معنية بها.

على المستوى التكتيكي، الجيش الإسرائيلي وقيادة الجنوب ملتزمون بالأهداف التكتيكية التي حددها المستوى السياسي. مع ذلك، المطلوب ان يتخذ المستوى السياسي قرارات استراتيجية تجاه قطاع غزة، الذي بالفعل وفي حال غياب القرار؛ فالطريق إلى التصعيد هي الأقصر.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها

المصدر: أطلس للدراسات