مساء الاثنين، بعد أن تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة الـ 50، تحدثت مع أحد مصادري في غزة (الحديث عن شخص متطلع على ما يتعلق بالصراع مع إسرائيل)، طلبت منه أن أفهم ما الذي دعا حماس لتوجيه تعليمات بانسحاب المتظاهرين من منطقة السياج. كان جوابه مُفاجئًا، "هناك ضغط كبير من قبل التنظيمات الفلسطينية في غزة بوقف انتحار الشباب على السياج"، هذا ما قاله لي.

من أجل أن أشرح اندهاشي يجب فهم مفردات اللغة العربية، موت أي فلسطيني بصورة مرتبطة بإسرائيل بشكل آو بآخر يندرج تحت كلمة "استشهاد"، أي أنه شهيد، لكن نفس المصدر استخدم بصورة غير عادية كلمة "انتحار"، كلمة تصف انتحار شخص يائس من الحياة وقرر إنهاءها، ليس لها أي علاقة بالظروف الدينية للمواجهة مع العدو. علاوة على ذلك، إن الدين يحرم الانتحار، كما يُعتبر تابو في المجتمع العربي.

هذه القصة الصغيرة توضح رؤيةً يُصرون في إسرائيل على تجاهلها بالكامل في النقاشات الطويلة حول "مسيرة العودة"، وزراء، أعضاء كنيست ومحللون يفضلون أن يجتمعوا في إطار النمط المريح قدر الإمكان، والذي بناءً عليه حماس فقط هي من تصعد الوضع، وفقط هي المذنبة فيما يحدث.

من السهل جدًا إلقاء اللوم على حماس، وهذا مطلوب أيضًا، فهي بالفعل سيطرت على "مسيرة العودة"، لكنها ليست من بدأت فيها. حماس أطلقت نشطاءها العسكريين لقطع الأسلاك، لكنها لم ترسل كل الـ 100 شخص الذين ألقوا بأنفسهم للموت خلال الأسابيع الماضية على السياج والموجودين اليوم تحت الأرض؛ هؤلاء الأشخاص لم يلقوا بأنفسهم لأن أحدًا ما كان يسيطر عليهم بواسطة عصا تحكم، بل فعلوا ذلك لأنهم على ما يبدو شعروا بأن الموت أفضل من الحياة المُهينة في قطاع غزة.

إذًا، صحيح أن حماس تستخدم الشهداء، وصحيح أنه كلما كان عدد الشهداء أكبر كلما كان أفضل بالنسبة لها؛ لكن لا يمكن تجاهل فقدان الأمل في غزة، والذي أدى بأناس في سنوات العشرين من عمرهم لتفضيل الموت أو على الاقل ألا يخافوا من الموت. من المفترض أن يكون الشباب في العشرين من عمرهم منشغلين ببناء مستقبلهم، لكن شباب غزة يفكرون بعدد ساعات الكهرباء التي ينالونها في البيت، في الوقت الذي يصنع شباب جيلهم على بعد 50 كيلومتر عنهم مستقبلهم.

وقبل أن تبدأ بالمهاجمة، هؤلاء الشباب لم يختاروا حماس، هم لم ينتخبوها قطعًا، لقد ولدوا وكبروا على واقع الحصار، غالبيتهم العظمى لم يغادروا قطاع غزة من قبل، لم يروا الأهرام في القاهرة، لم يشربوا قهوة الاسبريسو في ساحة نافونا في روما، لم يخرجوا في إجازة ولم يذهبوا للاسترخاء على شواطئ سيناء. فعليًا، هم لا يعرفون حتى ما معنى التدلل في عطلة نهاية الأسبوع في فندق.

يبدأ يومهم وينتهي بحرب البقاء وفقدان الأمل، إنهم يهدرون حياتهم بشرب السجائر أمام البحر لأنهم ليس لديهم أي شيء آخر ليفعلونه. كثيرٌ منهم أصبحوا مدمنين على المسكنات، وبعد كل هذا، ما الذي يمنعهم من النظر للموت بعينيهم؟

حين نتحدث بشكل عقيم عن الأزمة الإنسانية بغزة ننسى أن وراء الأرقام هناك أشخاص حقيقيون ولدوا في مكان غير مناسب وفي الوقت غير المناسب. اليأس، وليس يحيى السنوار، هو من يرسل جزءٌ منهم للاحتماء بالموت. لكن عندنا، أسهل شيء هو إلقاء اللوم على حماس.

 

ملاحظة: الآراء والألفاظ الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها

المصدر: أطلس للدراسات