بغض النظر عمّا يروجه الإعلام الإسرائيلي من روايات عن الظروف والطريقة التي انتهى بها يوم غزة الدموي، وبغض النظر عن الشعور الذي يشعر به البعض وما يطالب به البعض من تفسيرات وشروحات؛ نقول بغض النظر عن كل ذلك، لأن كل ذلك لا يعدو سوى تفصيل في مشهد كبير، وهو في بعض جوانبه نبش في تفصيل ما كان يجب له أن يعلو الآن في لحظة الحضور المهيب لمواكب الشهداء، وفي لحظة مشهد غزة العظيم الذي استطاعت أن تجترح معجزة صناعته بعد كل هذا القهر؛ فإن المطلوب هو رؤية كامل الصورة والسياق العام، الصورة الكلية هي صورة تعاظم سطوة الهيمنة والغلو الصهيوأمريكي وانتصار الظالمين للظالمين، وإقليم عربي متهالك ونظام عربي رسمي يطمح لنيل الرضى الصهيوأمريكي في ساحات كثيرة، من بينها ساحة القضية الفلسطينية، وحالة فلسطينية متهالكة ومنقسمه ومتصارعة مع نفسها ومع محيطها باحثة عن ملاذات، والشعب يرى كل ذلك مُترعًا بكل مرارات العيش والقهر اليومي والإحباط، ومثقلًا بقهر الاحتلال وهدر التضحيات وانغلاق كل الآفاق، وقبل لحظات من استسلامه لدخول صحراء التيه، تنفجر غزة ليس فقط في وجه عدوها، بل وفي وجه صناعة الإحباط، محاولة أن تقوم بالمهمة الأصعب، وهي غرس الأمل في وقت بات مجرد الأمل يعتبر من أخطر أعداء إسرائيل، وكأننا في مشهد هوليوودي يصور كيف تأتي معجزة البشارة قبل لحظة تتويج المجرم.

مسيرات القطاع وتظاهراته نجحت في إرسال رسائل قوية لكل الأعداء والمتآمرين والمتواطئين، رسائل تحدٍ وإفشال لمخططاتهم، وتأكيد على حقوق الشعب الثابتة التي لن ينجح الأعداء في طمسها ودفنها أو التحايل عليها، وأننا برغم كل ما نعيشه ونمرّ به محليًا وإقليميًا لازلنا قادرين على الرفض وعلى مواصلة الكفاح والتمسك بأهدافنا، وأن أعيدوا حساباتكم مرة أخرى؛ فمهما كنتم وما تملكون من صهاينة ومحافل ولوبيات وخلجان وعرب متواطئين - بحكم الضعف أو الاصطفاف الإرادي - فإن من صمد وضحى وناضل وصبر لأكثر من 70 عام لا زال قادرًا على الصبر والصمود، ولن يستسلم، وسيظل قادرًا على صناعة المستحيل.

ولو لم تكن غزة بما كانت عليه من ثورة يوم نقل السفارة، بما تحمله افتتاحية نقل السفارة من رمزية ورسائل سياسية لنُقلت للعالم مشاهد أحادية تعبر عن نهاية مرحلة وبداية مرحلة لا عنوان لها سوى الغياب العربي والفلسطيني، فدماء غزة التي لطخت العلم الصهيوأمريكي عرضت للعالم صورتيْن متناقضتيْن: الاحتفال والجريمة، وهذا ما دفع بإحدى الصحف الألمانية لترسم كاريكاتور لنتنياهو محتفلًا بين جمهوره، يمسك الميكروفون بيد وباليد الأخرى يطلق الصواريخ، وكأنه في حفلة جنون.

الإعلام الغربي الذي لا يمكن أن يتهم بمحبة الفلسطينيين، اضطر ليعطي مساحات لتغطية انتفاضة غزة، وبحجم التغطية كان حجم الانتصار على الصورة، وبغض النظر عمّا انطوت عليه بعض هذه التغطيات من تبرير للقتل أو انتقاد ما أسموه "العنف الفلسطيني"؛ إلا ان الصورة الاجمالية الأهم كانت لقناصة يطلقون النار على تظاهرات سلمية، الأمر الذي أعاد إلى الوعي العالمي القضية الفلسطينية، والتأكيد على أن الصراع بين احتلال ومحتلين.

وعلى المستوى الداخلي، فإن المسيرات والمواجهات الأسبوعية على طول الحدود الشرقية هي خيارنا الأكثر جدوى من بين خياريْ المواجهة الكبرى أو التسليم بالأمر الواقع، هو خيارانا على طريق رفع الحصار وتحشيد الحالة الوطنية وتعزيز الثقافة الإيجابية والمواجهة مع العدو، وليس أمامنا اليوم سوى خيار التمسك بهذه المسيرات الأسبوعية وبطابعها السلمي والاستمرار بها، جنبًا إلى جنب مع استمرار التمسك بخيار المصالحة، الذي ليس لنا عنه أي بديل آخر.

فالانقسام هو العلة الحقيقية والداء السرطاني المستشري في الجسد الفلسطيني، الذي ينهش الزرع والجسد ويقضي على كل أمل ويهدر كل التضحيات، وكل بوابات الخيارات الأخرى - التي ربما يقدمها هذا الطرف أو ذاك، بعيدًا عن إنهاء الانقسام - هي في أحسن أحوالها وأحسن الظنون بها ليست إلا أوهام وأضاليل لن تسمن ولن تغني من جوع، ولن تصمد ولن تقدم حلولًا ناجعة وقادرة على الصمود في وجه حجم الاحتياجات الكلية للقطاع وحجم إشكالاته وقضاياه الكبرى، فضلًا خطورة السياقات السياسية واختراق الثوابت والكيانية الفلسطينية على ما فيها من مثالب وعيوب.

ربما إسرائيل تدّعي الانتصار على جبهة المسيرات، لكنه انتصار القتل في الميدان وليس الانتصار في الحقل السياسي وسياق الصورة الكلية، ونعتقد بأن معظم ما يكتب الآن في الإعلام الإسرائيلي هدفه الأساسي تقديم قراءات ورسائل تخدم تعميق ما يسمونه "كي الوعي" للفلسطيني بأنه مهما فعل لن يكون بمقدوره أن ينتصر على إرادة الاحتلال، لكن الحقيقة أن غزة لا زالت تحديًا مؤرقًا للاحتلال.

المصدر: أطلس للدراسات