أثناء قيام نتنياهو بزيارة تفقدية متلفزة لمقر فرقة غزة، بعد أن زار مستوطنة "سديروت" صرح بالقول "إننا في حملة الآن نتبادل فيها اللكمات، وجاهزون لكل سيناريو، عليهم أن ينتبهوا لأفعالنا وليس لأقوالنا فقط"، وقد حرص نتنياهو أن يذكر بأن هذه الجولة ليست معدة للتصوير أو أنها روتينية عبر ذكر كل الشخصيات الهامة التي رافقته بالاسم والمنصب الأمني. وقد كانت جولة نتنياهو ذروة حملة البث للفلسطينيين ان "ديروا بالكم، فقد حذرناكم"، ويجب الانتباه لجملة "عليهم أن ينتبهوا لأفعالنا وليس لأقوالنا"، فهم يدركون بأننا نتابع وننتبه لأقوالهم، لكن نتنياهو حريص أيضًا على أن ننتبه للأفعال، وما الذي يريده هو من انتباهنا لأفعالهم؟ ببساطة أن نخاف ونرتدع، فالتصريحات والتهديدات الخطابية وحدها لا تردع، خاصة إذا استهلكت كثيرًا عبر التكرار ولم تترجم إلى أفعال، فلابدّ أحيانًا من إرسال رسائل بطريقة مختلفة، حتى لو كان ذلك عبر تسريب ما حدث داخل الكابينت من ملاسنات بين بينت ورئيس الأركان ووزير الأمن، مصحوبة بقصف في وضح النهار لمبنى متعدد الطبقات في قلب مدينة غزة ونشر صور عن نشر بطاريات القبة الحديدية.

فالمستوى السياسي في دولة الاحتلال يعاني في الفترة الأخيرة جرّاء الضجة الإعلامية التي تحدثها البلالين الحارقة، فمنذ فترة يسلط الإعلام الإسرائيلي الضوء على البلالين الحارقة، التي صار عددها يفتتح تقريبًا معظم البرامج الإخبارية، إن لم يكن حدث كبير آخر، ويتم استدعاء المعلقين ومقدري الخسائر وممثلي المستوطنين القاطنين في المستوطنات القريبة من القطاع، ومن ثم إجراء استطلاعات رأي في أوساط جمهور الأحزاب اليمينية متأثرًا بالأجواء الإعلامية المشحونة، لتكون النتيجة في صيغة تصريح لبينت ردًا على رئيس الأركان "نعم، اقتلوا كل من يطيّر طبقا حارقًا، حتى لو كان طفلًا".

في الحقيقة، لولا وجود الانتخابات في إسرائيل؛ ربما ما كانت تحدث الكثير من الحروب، وربما ما كان الحصار على الأقل مشددًا بهذا الشكل، وربما لحدث ما هو مناقض كثيرًا للواقع السياسي الذي نعيشه اليوم.

والحاصل اليوم أن الجيش والمستوى السياسي موحدون اليوم في أن ليس من أجل عدد من البلالين الحارقة يتم الخروج لمعركة كبيرة ومدمرة لأجل منع قصفهم بالبلالين الحارقة، فهي - مع كل الاحترام لها ولأضرارها المحدودة - لا زالت مجرد لعبة أطفال قياسًا بالوسائل الحربية والقتالية، وربما هم في داخلهم سعداء بأننا استبدلنا الصواريخ بالبلالين، ولكنهم أيضًا عصبيون جراء البلالين والضغوط الداخلية عليهم تخرجهم عن طورهم، ويتمنون أن تصل رسالتهم الردعية إلى العناوين الصحيحة في القطاع، حتى لا يضطر الجميع للذهاب إلى جولات من التصعيد المتدحرج، وصولًا إلى تصعيد كبير ينسى فيه الجميع قصة البلالين، ليكون الهدف كبيرًا ومبررًا لعدوان يتمثل في وقف تهديد الصواريخ وعودة الهدوء وضرب البنى التحتية و... الخ.

ومن الواضح أيضًا أن بروباغندا التهديدات الإسرائيلية فعلت فعلها لدينا أيضًا، حتى ان هناك من نشر اسم الحرب القادمة وحدد ساعات اندلاعها، وهناك من لا زال يستخف كثيرًا بالتهديدات الإسرائيلية، وما بين المبالغة في الخشية من جدية التهديدات الإسرائيلية والاستخفاف بها تكمن القراءة الهادئة والمتوازنة، ونحن هنا لا ندعو أبدًا للاستخفاف، ونقرأ التصريحات والأفعال الإسرائيلية في سياقها الصحيح، ونتنبه إلى خطرها، ونعتقد بأنه لابدّ أن نأخذها على محمل الجدية ولكن دون مبالغة زائدة في تهويلها، والتصرف كأن الحرب باتت أمرًا حتميّ الوقوع، ونعتقد بأنه لابدّ من التصرف بحكمة لاحتواء التصعيد الكبير، ونعرف أن الاحتلال يقرأ الأحداث ويرصدها بيانيًا، وفي نهاية كل يوم ونهاية كل أسبوع يرسم خطًا بيانيًا للأحداث ليرى فيها ميلًا للتصعيد أم ميلًا للتخفيض، فلا يجب مثلًا إصدار قرار بوقف البلالين، يكفي فقط ألا نركز كل جهدنا عليها تقليل العدد واطلاق بلالين غير حارقة في بعض الأوقات والخروج عن النمطية، فالمقاومة هي عمل يلتزم بفعل مقاوم ضمن الإمكانات والظروف ولا يلتزم بوسيلة محددة ومستوى محدد، فكانت الحجارة والتظاهرات الشعبية والعمليات العسكرية ثم الاستشهادية والانتفاضات وانتفاضة السكاكين والصواريخ وزراعة الأشجار ومقاومة الجدار، وكثيرة هي الوسائل التي تعبّر عن جوهر المقاومة ورسائلها، كما لا يجب أن نثقل المقاومة ونطوقها بشعارات تدفعها للانتحار أحيانًا لكي تفي بها مثل شعار القصف بالقصف والاغتيال بالاغتيال، فالمقاومة ليست ندًا لدولة قوية وهي سلاح الضحية الضعيف، وأول دروسها "أزعج محتلك حينما يرتاح، وراكم انتصاراتك، ولا تبحث عن المجد".

وأيّ توجه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الضوابط، أهمها ان تبقي غزة جزءًا من المشروع الوطني وقادرة على أن تؤثر في الضغط على الاحتلال، وأن تبقى أجندة رفع الحصار على طاولة الأطراف ذات الصلة، أي الاستمرار في قرع الجدران بكل وسيلة مناسبة ممكنة، والحراك الشعبي على الحدود يمكن تطويره، وهو غير ملزم بحجم وأماكن انتشار وأوقات محددة، وتحييد الحرب ودرئها وإطالة الفتيل وتعزيز كل ممكنات المصالحة، فلا حل للقطاع بعيدًا عن المصالحة ولا انتصار بدون عودة اللحمة الفلسطينية، كما علينا ألا نبث أيّ من مؤشرات الضعف والإذعان وعدم تطويق أنفسنا بالشعارات التي قد لا نستطيع أن نلتزم بها، والالتفات إلى الداخل إلى الحاضنة الشعبية.

بقلم: إسماعيل مهرة

المصدر: أطلس للدراسات