معاريف / لا زعامة

ذات مرة كان الناس يسمونها "هدنة". ومنذئذ رفع مستوى المفهوم الى "تسوية" ووسع الى "تسوية لمدى طويل"، ولكن يتبين في هذه الاثناء في الايام الاخيرة بان الحديث يدور بالإجمال عن "تسوية صغيرة". بل وربما صغيرة جدا. ونشرت أيضا الخطة المصرية والدور القطري وأربع المراحل والاستعداد للمفاوضات على اعادة جثماني المقاتلين والمدنيين.

وفي كل هذه الجلبة يتضح تفصيل تافه صغير ولكنه مثير للأعصاب، يختبئ ولكنه صارخ: اسرائيل تدير مفاوضات تحت النار مع حماس. هذه الحقيقة ولا شيء غيرها. وبالتالي فانه في المرة القادمة التي يقف فيها بنيامين نتنياهو في مكان ما، مثلما فعل في نهاية "الرصاص المصبوب"، ويعلن لكم بان هذا ما كان سيحصل لديه لأنه لن يمنع الجيش الاسرائيلي ("مثل حكومة كديما")، بل سيسمح له بالانتصار، وسيسقط حماس ويدمر الارهاب وينظف غزة وما شابه وما شابه، فتفجروا ضحكا. اسرائيل، القوة العظمى الاقليمية الهائلة، مع الجيش الاسرائيلي الجاهز مثلما لم يكن 20 سنة (اقوال رئيس الاركان امس)، مع الاقمار الصناعية والرادارات والنينو والليزر والقبة الحديدية والمتملصة و 8200 ومركفاه اشارة 4 محسنة ولواء الكوماندو والغواصات، ولا نهاية غواصات مع قدرات؛ اسرائيل التي روجت لكل العالم وسفرائه باننا لا نتحدث مع الارهاب، وان حماس هي منظمة منبوذة لشدة المقت ولا تجرى معها مفاوضات تحت النار – اسرائيل تفعل هذا كل الوقت، دون خجل.

من المذنب؟ ليس الجيش الاسرائيلي. الجيش هو مقاول تنفيذي. اعطوه الامر، وهو سيحقق النتائج. الجيش لا يقرر السياسة. المذنب هو من ليس له سياسة في غزة. من ليس له أي فكرة ما الذي سيولده اليوم وهو سيفعل كل شيء كي يوجل هذه الولادة. من الامر الوحيد الذي يريده هو الحفاظ على ما هو موجود، تخليد الوضع الراهن، الذود عن حماس بجسده والفرار من القرارات الصعبة. مذنب هو من يعتقد (وعن حق) انه يمكن خداع الكل كل الوقت.

لمعالجة مشكلة غزة يجب ان يتقرر: إما احتلالها، أو اعادة السلطة الفلسطينية الى غزة في ظل الدفع الى الامام بالمصالحة الفلسطينية وفي ظل التنازل عن اعادة جثماني المقاتلين في هذه المرحلة؛ او أن يقولوا للجمهور (وللعائلات الثكلى) الحقيقة البسيطة، الاليمة، بان ليس لنا أي فكرة ما نفعله لأننا بالأساس لا نريد ان نفعل أي شيء. الخلاص لن يأتي من المبعوث ميلادينوف، ولا من المخابرات المصرية، ولا من المال القطري ولا حتى من فريق المبعوثين المغردين الامريكيين. القرار يجب أن يتخذ هنا، بشجاعة، من قبل من انتخب لغرض اتخاذه. يمينا أو يسارا، الى الوراء او الى الامام (ليس الحزب)، ولكن يجب ان يقرر. هذا هو معنى الزعامة، التي ليست موجودة.

المصدر: أطلس للدراسات