على الطائرة..
لم يختر مقعداً محدداً، دخل كالباقين وجلس في مكانه. أقلعت الطائرة مع بعض التأخير ولم يلتفت أحد إلى أن راكباً استثنائياً معهم.
بعد فترة اقترب منه أحدهم، حاول مضيف الطائرة أن يحول بينهما لكنه التفت إليه وقال له دعه. ثم تحدث معه كل من عرفه خلال الرحلة.

في الباص..
صعد برفقة الركاب، ما من حراسة وما من سيارة خاصة بانتظاره. 
اقتربت صبية وقالت له بكل عفوية بلهجة فتيات اليوم المعروفة: زوجي ذهب للخدمة العسكرية وأشتاق له. فأجابها مبتسماً: سيغدو رجلاً هناك، لا تقلقي.
شاب آخر بلحية "سكسوكة" ولباس أنيق يشبه موظف بنك، قال له: عمري 35 سنة. أتمنى أن ينتهي عمري في هذه اللحظة وأهدي الباقي لك. هذا ليس شعوري بل شعور كل شباب إيران. أنت من رفعت رأسنا في العالم وحفظت إيران.
ردّ آخر فقال وأنا أيضاً وآخر وآخر... "فليأخذ الله من أعمارنا ويعطيك" رددها أغلب الركاب.
سيدة من خلفه قالت: نشعر بالأمل والأمان عندما نراك بيننا.
رجل آخر لم يُرَ وجهه من بين الزحام نادى بصوت عالٍ: ما دمتَ أنت بخير فالبلاد بخير. وآخر قال: ما دمت أنت تصعد معنا في الباص فالدنيا بألف خير.
أجابهم مطأطَأ الرأس: لا تتحدثوا هكذا أمامي أخجلتموني. وأخفض رأسه بين كتفيه.
إذا دققت قليلاً سترى ثلاثة شباب حوله لاحظهم بعض الرّكاب، يشبهونه لكنهم يصغرونه سناً، يراقبون محيطه دون أن يتدخلوا ولم يمنعوا أحداً عنه.

في صالة المطار..
كل من رآه وتملكته الجرأة على أن يقترب منه كان له حظ العناق والقبَل. بعضهم همس في أذنه شيئاً فتبسم له، والباقون ينظرون بفرح باد على وجوهم.. وفي داخلهم تتردد عبارة "إنه القاسم وقد مرّ الآن من هنا كالطيف.. حماك الله حامينا".

خلال هذه الجولة الصغيرة في رحلة داخلية في إيران تتكرر دائماً وبنفس الشكل لم يستطع أحد أن يلتقط لنفسه صورة معه. وهو كعادته لا يرحب بهذه الصور إلا في الخطوط الأمامية.
يتنقّل هذا الرجل على مدى سنوات بشكل حرّ، وإن كانت لديه حراسة دائمة تقريباً لكن حتماً بدون أية تشريفات. ولا فرق بين لبنان وسوريا والعراق وإيران. كلها بلاد له فيها رفاق وأهل ومحبّون. بعضهم أصبح تحت التراب وبعضهم ما زال فوقه يكافح معه في نفس الخندق. تجده فجأة إلى جانب ضريح رفيقه عماد مغنية في الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم يتجول في محيط حلب على دراجة نارية طوال الليل يتفقد الخطوط المتقدمة، ويتجول في أصعب المواقع خلال معارك العراق الضارية.
إنه الحاج قاسم سليماني قائد لواء القدس.

المصدر: خاص