تُختَصر علاقة محمد بن سلمان بصديقه دونالد ترامب، بما قاله الأخير، بعد ثلاثة أسابيع من جريمة قتل جمال خاشقجي: «السعوديون خانوا ثقتي». ثقة منحها حاكم البيت الأبيض لحاكم قصر اليمامة، وأسس عليها مشاريع سياسية واقتصادية وعسكرية كبرى، جسّدت أحلام ترامب في شرق أوسط يخلو من منافس. لكن رجل الصفقات تجاهل بدفع العملة، أن أحلام ابن سلمان لم تكن سوى في مملكة تخلو من منافس

بات الأميركيون يعلمون، بعد جريمة قتل جمال خاشقجي، أن عنجهية ولي العهد محمد بن سلمان، تمثّل أحد أهم عوائق «الشراكة» مع السعودية. لكنهم يرون أيضاً، أن المرحلة الحساسة، لا تسمح بإحداث تغيير جذري في هرم السلطة، في ظل مشاريع خارجية كبرى، ربطها الرئيس دونالد ترامب، منذ جولته الخارجية الأولى، بالرياض وإسرائيل، مقابل منح «رجل الإصلاحات»، الضوء الأخضر لرهن مستقبل المملكة بمستقبله. أمام هذا الواقع، يسعى ترامب، إلى تخطي أزمة خاشقجي، باستثمار دمه في إعادة ضبط «الشراكة» مع ابن سلمان، وكبح جماحه بضغوط دولية، على نحو يقي المملكة أزمات سياسية واقتصادية، باتت محط توقعات المراقبين، بسبب استئثاره بالسلطة، وبطشه في إزاحة منافسيه من سباق العرش، وتهوّره في قمع خصومه، وتشبثه بـ«أحلام» اقتصادية لا تسمن ولا تغني من جوع.

التعديلات التي أدخلها ولي العهد في سياسته الداخلية، منذ جريمة اغتيال خاشقجي، قبل شهر ونصف الشهر، أظهرت مرونة أكثر لدى حاكم السعودية الأوحد، تجاه النشطاء والدعاة والأمراء، استجابةً لضغوط أميركية وأوروبية لتخفيف سطوة «الجناح السلماني». خسر الأخير أحد أضلعه الثلاثة، المتمثل بسفير المملكة في واشنطن، في ظل شغور المنصب منذ أكثر من شهر، بعد عودة خالد بن سلمان إلى الرياض، وسط حديثٍ عن دور له في عملية استدراج خاشقجي من واشنطن إلى تركيا، في وقت يبدو ابن سلمان بأمسّ الحاجة إلى «محرّك» لجماعات الضغط وشركات الدعاية الأميركية، التي استثمر فيها عشرات الملايين من الدولارات، من أجل تلميع صورته.
لم يكن افتقاد ابن سلمان يده اليمنى خالد، الضربة الوحيدة، بل تسببت العقوبات الأميركية على منفذي الاغتيال، بانهيار منظومة «ربعه» داخل القصر، لعل أهمهم المستشار في الديوان، سعود القحطاني، الذي كان يتولى إعداد القوائم السوداء للنشطاء، ونائب رئيس الاستخبارات المقال، أحمد عسيري، الذي ترأس حربته في معاركه الداخلية ضد الأمراء، وصولاً إلى «خيرة» أزلامه، الذين كان يعتمد عليهم في تهديد وإعادة والتجسس على المعارضين أو اغتيالهم.
يواجه ابن سلمان واقعاً جديداً داخل القصر أيضاً، بعدما أجبر على ترميم التصدعات التي أحدثها في علاقته مع أعمامه وأبنائهم، لا سيما طلال وأحمد بن عبدالعزيز، بما يزعزع حُكم الرجل الواحد، ويجبره على التوجه نحو حكم أقرب إلى التقليدي، على نحو ما كانت عليه المملكة قبل تولي سلمان الحكم في عام 2015. تجلى ذلك، في استعادة الملك دوره، سواء في استقبال المسؤولين، أو الإعلان عن مشاريع اقتصادية خارج بوتقة «رؤية 2030»، في إطار جولة داخلية، هي الأولى منذ توليه الحكم، أجراها قبل أسبوع، ويستكملها الأسبوع المقبل. كما مثلت عودة أحمد إلى المملكة، بضمانات أميركية وأوروبية، بعد أن تبرأ من سياسات ابن سلمان في رده على نشطاء في لندن، رسالة أميركية وأوروبية جادة، بضرورة إعادة هيكلة القصر بإدماج شخصيات من أجنحة أخرى إلى مراكز صنع القرار. فعلى رغم ابتعاد أحمد عن السياسة، لكنه هذه المرة يبدو عائداً للعب دور في هذا الإطار، لما يتمتع به من وزن داخل العائلة، وقد بدأ العمل منذ اليوم الأول لعودته نهاية الشهر الماضي، من خلال لقاءات مكثفة في مجلسه مع أشقائه وكبار الأمراء على غير عادته. أولى نتائجها، ظهرت بعد يومين، بالإفراج عن خالد بن طلال، المقرب منه، والذي يشاطره الرأي في رفض تنصيب ابن سلمان ولياً للعهد. إذ إن خالد، الذي كان يمثل أباه طلال في «هيئة البيعة» بعد مرض الأخير، كان قد قدم استقالته من «الهيئة»، عقب الانقلاب على ولي العهد السابق محمد بن نايف، فيما لم يُبايع أحمد ابن سلمان قط. وكما اعترض أحمد على «اعتقالات الريتز»، بالخروج من المملكة أثناءها، أبدى خالد اعتراضه على الحملة التي اعتقل فيها أخيه الوليد، ما أدى إلى اعتقاله لمدة 11 شهراً، قبل أن يفرج عنه بمعية أحمد. 
لعل الوليد بن طلال، أوضح مثال على عودة أجنحة القصر إلى لعب دور في المملكة، إذ طوى الملياردير صفحة اعتقاله في «الريتز»، من على شاشة «فوكس نيوز» المفضّلة لدى ترامب، مع الإعلامية المقربة من ابن سلمان (أدارت حلقة النقاش في «مؤتمر مستقبل الاستثمار» الأول)، في الذكرى السنوية لاعتقاله (في الـ5 من الشهر الجاري)، لتبرير حملة الاعتقالات، بأن «الكثير ممن تم احتجازهم يستحقون» ذلك. جلدُ الذات هذا، لم يكن من دون مقابل، فقد عاد الوليد إلى دوره كسفير أعمال غير رسمي للمملكة، بهدف النهوض بالمملكة، بعدما تلقت أقسى الضربات الاقتصادية خلال «مؤتمر مستقبل الاستثمار»، بعد أن اتصل به ابن سلمان، قبل المؤتمر طالباً منه الحضور، وفق ما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن أشخاص مقربين من الرجلين. مصالحة، بادر إليها ابن سلمان، دفعت الوليد إلى إبرام سلسلة جديدة من صفقاته مع المستثمرين الدوليين، أخيراً، من بينها، 300 مليون دولار في الأعمال التجارية الفرنسية في المملكة، و500 مليون دولار في شركات تكنولوجيا غربية، كما أنه يُجرى محادثات مع مسؤولين تنفيذيين لشركات كبرى، للاستثمار في شركته للترفيه «روتانا ميديا ​​غروب»، بحسب مصادر مطلعة على الاتفاقيات.


ما سبق يبدو تكاتفاً بين أمراء آل سعود النافذين لإنقاذ المُلك من ورطة خاشقجي، كما دأب آل سعود في أزمات عدة تاريخياً، لكن «تصحيح» مسار الحكم، أنهى عملياً بنيان ابن سلمان، الذي بناه منذ تولي والده العجوز الحكم، لضمان انتقال سليم إلى كرسي الحكم. فالثمن، قد يكون موعده بموت سلمان، الذي لا بد سيُحدث فراغاً، قد لا يتمكن ابن سلمان من سدّه بالتفرد بالحكم وفرض سطوته، خصوصاً أن الأمراء النافذين، الذين غُيّبوا عن المشهد، كمحمد بن نايف، وعبد العزيز بن فهد، وأولاد الملك عبدالله، متعب وتركي، من المرجح أن يستعيدوا حركتهم، في ظل محاولة ابن سلمان تخفيف الاحتقان داخل العائلة، وهو ما بدأه بالفعل، بالسماح لـ«عزوز» وتركي، فتح مجالسهم، كما ظهر في صور نشرها أمراء في «تويتر»، قبل أيام، لأبناء فهد، عبدالعزيز وسلطان ومحمد.
المشهد المتغيّر، انعكس على معتقلي الرأي أيضاً. بدأ نهاية الشهر الماضي، بتأجيل عدد كبير من جلسات محاكمة معتقلي الرأي، التي كانت من المقرر أن يرد فيها المعتقلون على التُهم التي وجهتها النيابة العامة لهم في الجلسات الأولى في أيلول/ سبتمبر الماضي، بالإضافة إلى تأجيل محاكمات من كان من المرجح الحكم عليهم بالإعدام، كسلمان العودة، من 30 من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، إلى الـ10 من كانون الأول/ ديسمبر المقبل، وإسراء الغمغام، التي كان متوقعاً أن يطلب الادعاء العام عقوبة الإعدام بحقها، في 28 من الشهر نفسه.

المصدر: علي جواد الأمين - الاخبار