دلالات عدةّ حملتها النتائج غير الرسمية للانتخابات الإسرائيلية، والتي يفترض أن تفضي إلى تكليف بنيامين نتنياهو، مجدداً، بتأليف الحكومة. دلالات لعلّ أبرزها أن نتنياهو استطاع تحقيق حصانة شعبية سيستثمرها لاحقاً في مواجهة المسار القضائي الذي يلاحقه، مقابل سعيه إلى تحقيق وعده بابتلاع الضفة الغربية

بعدما اتضحت نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وإن كانت غير رسمية حتى الآن، بات من الواضح أن معسكر اليمين حقّق الأغلبية بحصوله على 65 مقعداً، ما سيمكّنه من تأليف الحكومة المقبلة. كذلك، باتت نتيجة الاستشارات النيابية، التي يفترض أن يجريها رئيس الدولة لاحقاً، معروفة مسبقاً: بنيامين نتنياهو رئيساً للحكومة. ماذا بعد الانتهاء من فرز الأصوات؟ يفترض أن يتم الإعلان عن النتائج الرسمية للانتخابات في خلال مدة أقصاها الـ 17 من الشهر الجاري، على أن تليها مشاورات يجريها رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، مع الكتل النيابية، يعقبها تكليف أحد أعضاء الكنيست تأليف الحكومة الجديدة، ليعلن المُكلَّف قبوله المهمة في فترة أقصاها 7 أيام بعد إعلان النتائج.

في هذا الإطار، أعلن ريفلين أن جولة المشاورات ستبدأ الأسبوع المقبل في مقرّ الرئيس الإسرائيلي في مدينة القدس المحتلة، وستُبثّ مباشرة على الهواء لأول مرة بناءً على طلبه. وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، يسعى ريفلين إلى البدء بمشاوراته الأحد أو الاثنين المقبلين، ليتم التكليف بحدود الأربعاء. كما يسعى قدر الإمكان إلى استبعاد خيار الحكومة الانتقالية، وإذا لم تتوفر أغلبية لنتنياهو فسيدرس الدعوة إلى تأليف حكومة وحدة وطنية.
على رئيس الحكومة المُكلّف، تأليف الحكومة خلال 28 يوماً. وإذا لم يستطع ذلك، يتمّ تمديد مهمّته 14 يوماً أخرى. وإذا تعثّر أيضاً، يقوم رئيس الدولة بتكرار المشاورات والتكليف، ولكن هذه المرة تصبح المدة القصوى 28 يوماً فقط. إذا لم ينجح المكلّف الجديد هو الآخر، تعاد الانتخابات، في سيناريو لم يتحقق حتى الآن منذ قيام الكيان عام 1948.
في كل الأحوال، شكلت الانتخابات والنتائج التي أفرزتها محطة لافتة في حركة الواقع السياسي الإسرائيلي، وانطوت على رسائل في أكثر من اتجاه، وتحديداً في ما يتعلق بالتحديات الداخلية. الدلالة الأبرز أن نتنياهو نجح في تحويل الانتخابات إلى استفتاء شعبي حول استمرار توليه رئاسة الحكومة، وحقق فيها فوزاً هائلاً، مستنداً في ذلك إلى كتلة «ليكود» كبيرة، ومعها أغلبية واضحة لمعسكر اليمين، تسمح له بتأليف حكومة مع «شركائه الطبيعيين».
في أعقاب تأليف نتنياهو الحكومة المقبلة، يكون قد تولى رئاسة الحكومة الخامسة له منذ عام 2009، وقبل ذلك حكومة (1996 ـــ 1999). وبالمقارنة مع الفترة التي تولّاها مؤسس دولة إسرائيل، ديفيد بن غوريون، الذي أمضى في منصبه، على مراحل، 13 سنة و127 يوماً، يحتاج نتنياهو إلى البقاء في منصبه حتى منتصف شهر تموز/ يوليو المقبل ليتجاوز هذه المدة. وبهذا، يكون أكثر رئيس حكومة بقي في منصبه في تاريخ إسرائيل.
تؤشر النتائج شبه النهائية التي نال بموجبها حزب «الليكود» 35 مقعداً، في مقابل حزب «أزرق أبيض» الذي نال 35 مقعداً أيضاً، إلى عودة الثنائية الحزبية. وهي الحالة التي هيمنت على الساحة الحزبية خلال الثمانينيات والتسعينيات. لكن ما ينبغي الإشارة إليه، هو أن المقاعد التي نالها الحزبان كان لها سياقها وظروفها الخاصة، وليس من الضروري أن تتكرر هذه الثنائية في أي انتخابات لاحقة.
مع ذلك، هي المرة الأولى التي ينال فيها حزبان، منذ انتخابات عام 1996، ما يتجاوز مجموعه أكثر من نصف أعضاء الكنيست. وهذا يسمح لهما، نظرياً، بتأليف حكومة «وحدة وطنية» بدون إشراك أي من الأحزاب الأخرى، لكن نتنياهو أعلن بصراحة أنه عازم على تأليف حكومة يمينية. ويعود هذا إلى أنه نجح في حشد جمهور اليمين للتصويت لحزب «الليكود»، بعدما أثار الرعب في صفوف حزبه من إمكانية عدم تكليفه بتأليف الحكومة.


في المقابل، حشد المعسكر المضاد لمصلحة حزب «أزرق أبيض» على حساب حزبَي «العمل» و«ميرتس» اللذين نالا مجتمعين 10 مقاعد. ويبدو أن تسرّب جزء من جمهور هذين الحزبين باتجاه حزب الجنرالات، يعود إلى اقتناع مفاده بأن التصويت لمصلحتهم يسمح لهم بمنافسة حزب «الليكود» على تأليف الحكومة المقبلة. لكن المشكلة الأساسية الآن، بالنسبة إلى هؤلاء، هي أن معسكر اليمين، الحليف لنتنياهو، نال أكثر من 60 مقعداً، وهو ما يجعل من الصعب على رئيس الدولة تسمية أحد غيره.
في السياق الحزبي أيضاً، تلقى حزب «العمل» الضربة الأقسى في تاريخه. وتنبع خصوصية العدد القليل الذي ناله من كونه الحزب المؤسِّس للدولة، وقاد حروبها خلال العقود الثلاثة الأولى، وشكّل أحد قطبَي السياسة الإسرائيلية خلال الثمانينيات والتسعينيات. إلا أن النتائج التي حققها الآن تجعله في صفوف الأحزاب الصغيرة، وعلى خلفيتها صدرت دعوات من داخل الحزب إلى استقالة رئيسه، آفي غباي، فوراً.
أيضاً، أدلى الجمهور الإسرائيلي بحكمه في مقابل القضاء، واختار مرة أخرى نتنياهو رئيساً للحكومة، رغم كل تهم الفساد، ووفر له حصانة شعبية وسياسية يستطيع الاستناد إليها لمواجهة أي مسار قضائي ضده خلال الأشهر المقبلة. وأظهر هذا الجمهور بكل صراحة غلبة الانتماء الأيديولوجي لديه على الالتزام بالقوانين. وسيتضح خلال الأيام المقبلة كيف سيستثمر نتنياهو الالتفاف السياسي والشعبي حوله لحمايته من المحاكمة. وبحسب رئيس تحرير صحيفة هآرتس، ألوف بن، «ستكون لحكومة نتنياهو الجديدة غايتان مركزيتان: إزالة لوائح الاتهام التي تهدده، وضمّ مستوطنات الضفة الغربية لإسرائيل، بالتنسيق مع إدارة ترامب. وبالإمكان تلخيص هاتين الغايتين بمعادلة بسيطة، الحصانة مقابل السيادة».
بموازاة السقوط المدوي لمعسكر اليسار في إسرائيل، تميّزت هذه الانتخابات أيضاً بعدم نجاح حزب ترأسه ثلاثة رؤساء أركان سابقين، على رأسهم بني غانتس، وبدعم آخرين في المؤسسة العسكرية، في التغلب على نتنياهو، وهو ما يؤشر إلى حجم الالتفاف الشعبي حول الخيارات السياسية الأكثر تشدداً، كما يظهر أن التاريخ العسكري لم يَعُد عاملاً جاذباً بما فيه الكفاية، وأن النظرة الجماهيرية إلى المؤسسة العسكرية وخرّيجيها قد تبدّلت.

المصدر: علي حيدر - الاخبار