تصاعدت وتيرة استباحة الطيران المسير التابع لأنصار الله أجواء السعودية، في الوقت الذي عجزت فيه منظومة "باتريوت" وكافة الأسلحة التي يمتلكها التحالف السعودي- الإماراتي عن الحفاظ على أجواء المملكة آمنة.

وعلى الرغم من تمكن قوات التحالف الذي تقوده السعودية من إسقاط طائرات مسيرة بشكل شبه يومي فوق أجواء المملكة، لكن عدداً منها تمكن بالفعل من الوصول إلى أهداف سعودية حساسة، كان أبرزها استهداف مطاري أبها وجازان وعملاق النفط "أرامكو".

وخلال الأعوام الماضية، كان التحالف يصر على أن تلك الطائرات لم تدخل ميدان الصراع معه بالتأثير والفعالية اللتين يؤكدهما أنصار الله، خلافاً للصواريخ الباليستية التي تمكن أنصار الله من تطويرها أو تصنيعها بمساعدة من "إيران"، ودعم بواسطة خبراء من "حزب الله" في لبنان، كما يقول التحالف، وجعلته يضع خطورة تلك الصواريخ أمام المجتمع الدولي.

لكن استهداف محطة ضخ أنابيب نفط أرامكو، منتصف مايو الماضي، كانت الضربة التي أوجعت الرياض، وجعلتها تشعر بالقلق من خطورة الطيران أنصار الله المسير، ودفعها إلى عقد ثلاث قمم (خليجية، عربية، إسلامية) في مكة المكرمة، نهاية شهر رمضان المبارك، لتدارس تطور استهداف أنصار الله لمنشآتها.

وآخر تلك الهجمات كانت يوم 1 يوليو، حيث أعلن الناطق باسم التحالف السعودي الإماراتي إسقاط طائرة مسيرة في الأجواء اليمنية قبيل دخولها إلى السعودية.

مايو ويونيو.. تصعيد كبير

خلال شهري مايو ويونيو من العام الجاري، كانت السعودية على موعدٍ مع أكثر هجمات شنتها جماعة أنصار الله بواسطة الطائرات المسيرة، والتي نتج عنها استهداف محطة ضخ أنبوب النفط التابع لشركة أرامكو، واستهداف مطاري أبها وجازان، وسقوط قتلى وجرحى.

خلال الشهرين أطلق أنصار الله نحو 30 طائرة مسيرة، كان منها 18 طائرة في يونيو الماضي فقط.

وبحسب إحصائية حصل عليها "الخليج أونلاين" من بيانات الناطق باسم التحالف، العقيد تركي المالكي، فإن الفترة ما بين 10 يونيو و30 يونيو، أعلن فيها التحالف إسقاط 18 طائرة مسيرة، دون ذكر عدد الطائرات التي استهدفت بالفعل المطارات والمواقع الحساسة جنوب غربي المملكة.

وخلال الفترة ذاتها أعلن أنصار الله تنفيذ العديد من الهجمات على مطاري جازان وأبها، أسفر بعضها عن خسائر مادية، مثلما حدث في مطار أبها في 23 يونيو، والذي قتل خلاله شخص وأصيب 21 آخرون بطائرة مسيرة، بعد أقل من أسبوعين على استهداف آخر للمطار ذاته، في 12 يونيو، والذي كان باستخدام صاروخ كروز.

وتقول صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية إن عدد الطائرات المسيرة لـ"أنصار الله" التي أسقطتها القوات السعودية، منذ بداية الحرب في 2015 وحتى شهر مايو الماضي، بلغت نحو 140 طائرة.

يونيو وما بعده

يستعرض "الخليج أونلاين" حصيلة ما أعلنه التحالف الذي تقوده السعودية من إسقاط طائرات مسيرة، خلال شهر يونيو، فوق سماء المملكة أو على وشك الوصول لأجوائها، على النحو التالي:

10 يونيو: اعتراض وإسقاط طائرتين بدون طيار "مسيّرتين" باتجاه مدينة خميس مشيط.

14 يونيو: اعتراض وإسقاط خمس طائرات بدون طيار باتجاه مطار أبها الدولي ومحافظة خميس مشيط.

15 يونيو: إسقاط طائرة بدون طيار باتجاه أبها.

17 يونيو: اعتراض وإسقاط طائرة مسيرة تحمل متفجرات باتجاه منطقة سكنية مأهولة بالمواطنين المدنيين في أبها.

19 يونيو: اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار كانت تسير باتجاه المملكة.

20 يونيو: اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار أطلقتها المليشيا باتجاه جازان.

21 يونيو: اعتراض وتدمير طائرتين مسيرتين قبيل وصولها إلى الأجواء السعودية.

23 يونيو: هجوم استهدف مطار أبها وخلف قتيلاً سورياً، وإصابة 21 مدنياً وأجانب.

- إسقاط طائرة مسيرة بالأجواء اليمنية قبل وصولها إلى المملكة.

25 يونيو: اعتراض وإسقاط طائرة مسيرة باتجاه منطقة سكنية مأهولة بالمدنيين في خميس مشيط.

29 يونيو: اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار من صنعاء باتجاه جازان.

30 يونيو: اعتراض طائرتين باتجاه منطقة سكنية مأهولة بالمدنيين في منطقة عسير.

1 يوليو: اعتراض وإسقاط طائرة من دون طيار أطلقها أنصار الله من صنعاء باتجاه السعودية.

2 يوليو: استهداف مطار "أبها" جنوبي السعودية بطائرة مسيرة، ما أسفر عن إصابة 8 سعوديين وهندي.

هجمات أنصار الله أكثر دقة

تقول صحيفة "وول ستريت جورنال" إن ترسانات الطائرات المسيرة التابعة للحوثيين تشكّل خطراً كبيراً على السعودية والإمارات.

ونقلت الصحيفة، في تقرير نشرته 2 مايو الماضي، عن أشخاص مطلعين قولهم إن الهجمات التي تشنها الجماعة بطائراتها المسيرة ضد خصومها أكثر دقة وأبعد مسافة مما تقرّ به رسمياً دول التحالف والولايات المتحدة.

وأكد مسؤول تنفيذي في شركة "أرامكو" السعودية الحكومية، ومسؤول خليجي آخر للصحيفة، أن طائرة للحوثيين استهدفت، في يوليو 2018، مصفاة تابعة للشركة قرب العاصمة الرياض، وألحقت أضراراً مادية محدودة بها، رغم نفي حكومة المملكة رسمياً وقوع الهجوم.

وفي الشهر نفسه خرقت طائرة مسيرة أخرى أجواء الإمارات وقصفت مطار دبي الدولي، ما ألحق ضرراً بشاحنة وأسفر عن تأجيل بعض الرحلات.

وسرعان ما انتقل أنصار الله من استخدام طائرات مسيرة صغيرة الحجم إلى تطوير نسخة أكبر بشكل طائرة تصنفها الأمم المتحدة بـ"المركبة الجوية غير المأهولة" أو "UAV-X"، وهي قادرة على قطع مسافة تتجاوز 1400 كم، ما يضع عاصمتي السعودية والإمارات في مرمى نيرانها.

ما أسباب فشل التحالف؟

حتى اليوم لم تستطع السعودية حسم عملياتها العسكرية في اليمن، التي قالت، في مارس 2015، إنها ستستمر أشهراً فقط، كما باتت أيضاً غير قادرة على حماية مدنها من الصواريخ اليمنية والطائرات المسيرة، وسط عجز المنظومات الدفاعية الصاروخية على الرغم من حداثتها.

ففي بداية عملية "عاصفة الحزم" كانت السعودية تفتخر بأنه من المستحيل أن يهدد أنصار الله أراضيها، بعد أن سيطر التحالف الذي شكلته على كامل الأجواء والمياه اليمنية، ودمر المواقع التقليدية للدفاع الجوي وقواعد الصواريخ.

غير أنه بعد سنوات من العمليات العسكرية المكثفة تغيرت المعادلة، بل وبات أنصار الله هم أصحاب المبادرة، وبأسلحة لم تكن في اليمن حتى في زمن الدولة الواحدة، أيام الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.

وفي هذا الصدد يقول المحلل العسكري حاتم الفلاحي: إن "أنصار الله كان لديه من البداية الكثير من المفاجآت، ولكنه لا يريد استخدام ما لديه من أسلحة سابقاً مرة واحدة، وإنما يحاول أن يستخدم الأدوات التي لديه للضغط على السعودية حتى تنسحب من الملف اليمني، أو على الأقل أن توقف غاراتها على اليمن".

وأشار في حديث سابق لـ"الخليج أونلاين"، إلى أن "استخدام أنصار الله لأسلحته على شكل دفعات؛ فمرة يستخدمون صواريخ كروز، ومرة صواريخ قصيرة المدى، ومرة طائرة دون طيار، هي استراتيجية تبدو فعالة في مواجهة السعودية".

كما أوضح الفلاحي أن أنصار الله نجح في نقل المعركة من الداخل اليمني إلى الداخل السعودي؛ من خلال استهدافه بنكاً من الأهداف داخل المملكة خلال المرحلة الماضية، وهناك فشل ذريع في مواجهة تطورات الأحداث في اليمن، خصوصاً في الحصار البحري عليها، حيث تمكن أنصار الله من تطوير أسلحة استخدمها في حربه عليها.

دفاعات غير مجدية

وذكر الفلاحي أيضاً أن هناك فشلاً في المنظومة الدفاعية السعودية في مواجهة الطائرات المسيرة أو صواريخ كروز، وهذا يعزى لعدة أسباب؛ أبرزها "إما أن التسليح السعودي يركز على جلب أسلحة قديمة وغير قادرة على مواجهة تطورات الأحداث في جبهة اليمن، أو عدم وجود كادر قادر على استخدام هذه المنظومة بصورة جيدة، وهو ما يرجح سبب فشل السعودية في التصدي لهجمات أنصار الله".

وتعتمد السعودية على منظومة صواريخ "هوك" و"باتريوت" الأمريكيتين لحماية أجوائها، وتعمل على تطويرهما باستمرار.

وفي نوفمبر 2018، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن السعودية ستشتري نظام "ثاد" للدفاع الصاروخي من صنع شركة "لوكهيد مارتن" بقيمة 15 مليار دولار؛ لاعتراض الصواريخ الباليستية بمختلف أحجامها ومداها.

وتقول أيضاً مصادر تحدثت لـ"الخليج أونلاين"، إن السعودية تفكر جدياً بشراء منظومة "القبة الحديدية" من الاحتلال "الإسرائيلي"، بعد فشل "باتريوت" الأمريكية في ردع الصواريخ والطائرات بدون طيار.

ولا تزال السعودية غارقة في حرب اليمن المشتعلة منذ 4 سنوات، مستنزفةً سمعتها وأموالها، وسط تعثر جهود السلام الدولية التي تقودها الأمم المتحدة، وعدم وجود رغبة حقيقية لدى أطراف الصراع بالجلوس على مائدة الحوار.

ويصور أنصار الله أنفسهم على أنهم المدافعون عن الحقوق الوطنية اليمنية ضد تدخل السعودية، التي باتت تعاني هناك، في حين تسببت الحرب بسقوط آلاف القتلى والجرحى من المدنيين.

المصدر: الخليج أونلاين