في خريف العام 1998، نظّم معهدُ العلوم الاجتماعيّة رحلةً ثقافيّةً إلى مدينة حلب السوريّة، امتدّتْ يوميْن. كنتُ حينها طالبًا في السنة الأولى. أذكر تمامًا أنّ ما لفتني في حلب، ونحن نهمُّ بالدخول إليها بعد ساعاتٍ من مغادرتنا الحدودَ اللبنانيّة - السوريّة، أمران. الأوّل كان جمالَ المباني الحديثة المبنيّة على الطراز نفسه، وهي مؤلّفة من أربع طبقات إلى ستّ، وملبَّسةٌ برخامٍ عنبريّ اللون. أمّا الثاني فكان الانتشارَ اللامألوفَ للصحون اللاقطة على جميع الأسطح، وأنا الذي كنتُ أعتبر أنّ لبنان يسبق سورية بسنواتٍ ضوئيّةٍ في مجال الاتصالات والتكنولوجيا. حين سألتُ أحدَ الحلبيين في اليوم التالي عن هذه الظاهرة، أجابني بدماثة أهل حلب المعتادة أنّ السبب يعود إلى حبّهم لكلِّ ما هو جديد.

 

1

عاودني هذا الجوابُ بعد أكثر من خمس عشرة سنةً أثناء إعدادي كتاب الوجهُ الآخرُ للإعلام. وأستنتجتُ أنّ السبب لم يكن حبَّ التجديد فحسب، بل الرغبةَ في الإفلات أيضًا. نعم، الإفلات من إعلام الدولة، المسيَّر والمُبرمَج، الذي كان يعيش الأيّامَ الأخيرةَ من الاستخفاف بعقول الناس. فمن خلال الصحون اللاقطة، تمكّن السوريّون من متابعة البرامج التي تَعْرضها الفضائيّاتُ العربيّةُ والتركيّةُ والأوروبيّة. ولم يعد إعلامُ الدولة، الذي كان متمثّلًا وقتها في قناتيْن رسميّتيْن، الأولى ناطقة بالعربيّة والثانية بالإنكليزيّة، يشكّل المصدرَ الأوحدَ للمعلومات. وتبيّن لي أيضًا، من خلال حديثي مع عدد من السوريين المقيمين في لبنان، أنّ تزايدَ الطلب على تلك الصحون أتى بعد وفاة نجل الرئيس السوريّ حافظ الأسد، باسل، في العام 1994، وذلك بسبب طول فترة الحداد المفروضة على التلفزيونات السوريّة واللبنانيّة كافّةً.

 

انتشار الصحون ليس حبًّا في التجديد فحسب، بل رغبةً في الإفلات من إعلام الدولة أيضًا

 

اعتادت الأنظمةُ الشموليّة، مهما استخدمتْ لنفسها من تسميات، تقنينَ مصادر المعلومات، وكيفيّةِ وصولها إلى المتلقّين. كانت هذه المهمّة سهلةً في البداية لأنّ الوصول إلى الخبر لم يكن بالأمر اليسير. هكذا اعتمد المتلقّون على الرسائل التي بثّها المرسِلون إليهم. والمتلقّي هنا هو المواطن؛ أمّا المرسِل فكان، في أغلب الأحيان، الدولةَ. تنبّهت الأنظمةُ الحاكمة باكرًا إلى ضرورة السيطرة على كلِّ ما له علاقة بالإذاعة والتلفزيون، وذلك بغيةَ تقنين الخبر وتأطيره بما يتناسب مع تطلّعاتها.

لكنّ السيطرة على الخبر ازدادت صعوبةً، يومًا بعد يوم، بسبب تطوّر الوسائل التكنولوجيّة التي توصِل الرسالةَ الإعلاميّة. وكانت إمكانيّةُ التقاط محطّات الإذاعة البعيدةِ المصدر، كالاستماع إلى بثّ الإذاعة المصريّة في لبنان، ممكنةً منذ أحداث الحرب العالميّة الثانية؛ وهو ما استخدمه الإنكليزُ لترويج حملتهم العسكريّة ضدّ قوّات فيشي المرابطة في لبنان. وبالفعل فإنّ السلطة، الممثّلة في فرنسا - فيشي، حاولتْ تجريمَ الاستماع إلى الإذاعة المصريّة، وصوت بريطانيا وفرنسا الحرّة من ورائها.

بالعودة إلى مطلع القرن الحاليّ، أصبح من الصعب على الحكومة أنْ تستمرَّ في السيطرة على الرسالة الإعلانيّة مع انتشار الصحون اللاقطة، إلّا من خلال منع بيعها. وهذا ما نشّط تهريبَ الأجهزة، ودفع بالدول إلى الرضوخ للأمر الواقع. إلّا أنّ التقاط الخبر، في ذاته، لا يشكّل مشكلةً كبيرة لهذه الدول؛ ذلك لأنّ المتلقّي مجرّدُ متلقٍّ، كما يدلّ اسمُه، أيْ غيرُ فاعل، فلا مانعَ لديها من تلقّيه ما يشاء ما دام لا يفعل شيئًا ولا يهدّد أحدًا. هكذا، ابتعدت الشعوبُ عن إعلام دُولها الرسميّ، واتّجهتْ صوب إعلامٍ كان - في رأيها - "حرًّا وصادقًا."

غير أنّ الإعلام يَنْدر أنْ يكون كذلك بسبب مجموع الاعتبارات التي تحكم عملَه، وعلى رأسها الربحيّةُ والتمويل؛ ما يجعله مرتهنًا لِما تقرّرُه مصالحُ المعلنين، أو ما يريده المموِّلُ ويناسب توجّهاتِه من حجبٍ لمعلومات وبثٍّ لغيرها.

 

2

دخلتْ شبكةُ الإنترنتْ إلى العالم العربي تدريجيًّا مع نهاية التسعينيّات وبدايةِ الألفيّة الجديدة. وكانت بعضُ الدول سبّاقةً إلى تبنّي التكنولوجية الجديدة، والبعضُ الآخر متخلّفًا عنها. قُدّم الإنترنت منذ البداية وسيلةً للمستخدمين في التعبير عن أنفسهم. وسرعان ما انتشرتْ مواقعُ "الخِيَم،" وهي نوعٌ من المدوَّنات (Blogs)، ويرتكز مبدأُها على إنشاء صفحةٍ خاصّةٍ بكلّ موضوع: مثلًا، خيمة لمحبّي السيّارات، وأخرى لمحبّي الأفلام، وهكذا. وبالطبع، فإنّ أكثر ما انتشر هو الخِيَم الخاصّة بالمواضيع الأكثر تماسًّا مع الشباب العربيّ: ما له علاقةٌ بأصول الدين، وبالتعارف والتلاقي. وترافقتْ هذه الأخيرة مع الطرق المتّبعة في الدردشة الإلكترونيّة، من خلال الغُرف المفتوحة (IRC Channels).

تنبّهت الدولُ مبكّرًا إلى الخطورة التي يطرحها الإنترنت على هيمنتها على المعلومات، فسعتْ إلى تقنينِ ما يصل مواطنيها منها، واكتشفتْ أنّ السيطرة على سيْل المعلومات من الإنترنت أسهلُ من التحكّم في ما يشاهده المواطنُ على الفضائيّات المختلفة؛ ذلك لأنّ تلك المعلومات تمرّ بشبكات التوزيع التابعة للدولة: إمّا من خطوط الهاتف (في بدايات مرحلة الانترنت)، أو من خلال الألياف الضوئيّة، أو أبراج الإرسال الخلويّة.

كانت السيطرة على الإنترنت أهمَّ بكثير من السيطرة على القنوات الفضائيّة، لسببين. الأوّل هو استحالةُ وقف محطّات تبثّ فضائيًّا من دولٍ أخرى، وصعوبةُ التشويش على كلّ التردّدات المستخدَمة في عمليّة البثّ. أمّا السبب الثاني، وهو الأهمّ، فيكمن في أنّ المحطّات الفضائيّة تبثّ رسالةً لا بأس من تأثيرها في المتلقّي ما لم يتمكّن من التعبير أو إعادة الإرسال. هكذا، قامت الدولُ العربيّة، ومن ضمنها لبنان الذي يتغنّى دائمًا بحريّة التعبير، بممارسة الرقابة على الإنترنت.

في البداية، كانت هذه المهمّة سهلةً. فقد حُجبت المواقعُ التي وُضعتْ على "اللوائح السود،" إمّا لأنّها تتنافى مع "عادات المجتمع وتقاليده،" وإمّا لأنّها تعبّر عن توجّهات عقائديّة مخالفة لتوجّهات الدولة. واقتصار اللوائح السود على نوعين من المواقع، دون غيرها، هو ما سهّل هذه المهمّة. فانتشارُ مواقع التواصل كان محدودًا قبل تطوّر مفهوم الإنترنت 2.0.[1] والإنترنت 2.0 بدأتْ تنتشر منذ بداية الألفيّة، وعرفتْ توسّعًا متسارعًا مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعيّ الحديثة مثل فايسبوك وتويتر، ما أتاح للمستخدم إعادةَ البثّ عوضًا من الاكتفاء بالتلقّي.

هكذا ولّت الأيّامُ التي كان فيها مستخدمُ الإنترنت مجرّدَ متلقٍّ للمعلومة والخبر، وتحوّل إلى صانعٍ لهما. وبدأتْ مهامُّ الأنظمة في التعقّد مع انتشار أدوات الإنترنت 2.0 من وسائل تواصل، ووسائل الدردشة الآنيّة (Instant Messengers)، مثل مراسل البلاكبيري (BBM)، ولاحقًا الواتساب والتليغرام والفايبر وغيرها. وزاد الطينَ بلّةً تطويرُ منصّاتٍ لوسائل التواصل الاجتماعيّ مخصّصةٍ للهواتف النقّالة. هذا عدا عن برامج المحادثة التي أُنشئتْ أصلًا للهواتف النقّالة، ما عجّل في زوال المنصّات القديمة المخصّصة لأجهزة الحاسوب (مثل IRC، وMSN Messenger، وICQ، وYahoo Messenger، وغيرها). وقد أتاح استخدامُ الإنترنت من خلال الجوّال الفرصةَ أمام مئات ملايين المستخدمين للدخول إلى الإنترنت للمرّة الأولى لأنّ أسعار الجوّالات بدأتْ في الانخفاض. وترافق ذلك مع ازدياد ممّيزات هذه الأجهزة، وكِبر حجمها؛ ما جعلها الأداةَ الأساسَ للمستخدمين في الوصول إلى المعلومة والخبر، لا بل في صناعتهما أيضًا.

هنا انتقلت الرقابةُ من مجرّد "لائحة سوداء" لتصبح رقابةً على ملايين المستخدمين، لا بل على كلّ مستخدمي الإنترنت الذين تتزايد أعدادُهم يومًا بعد يوم. وأصبح كلُّ مستخدم، من خلال حسابه على إحدى منصّات التواصل، وكأنه موقعٌ قائمٌ بحدّ ذاته، تنبغي مراقبتُه، واتّخاذُ قرار بشأن ملاحقته أو سجنِه أو إسكاته.

أمام هذا الواقع المستجدّ، سعتْ معظمُ الدول، والولاياتُ المتّحدة منها، إلى اتخاذ تدابير، متفاوتةِ الشدّة، بغيةَ السيطرة على تدفّق المعلومات.

 

3

يمكن تقسيمُ الدول إلى مجموعات وفقًا لكيفيّة تعاطيها مع الرقابة على الانترنت. المجموعة الأولى بقيتْ على الحياد التامّ، لا تتدخّل في تدفّق المعلومات إلّا ضمن حدودِ ما وُجد من قوانينَ انترنتيّةٍ سابقة، كتنظيم المادّة الإباحيّة وتوزيعِها واستهلاكها. المجموعة الثانية نظّمتْ تدفّقَ المعلومات، وفرضتْ عليه بعض القيود بناءً على مستجدّاتٍ طرأتْ عليها بعد انتشار الإنترنت؛ نذكر، مثلًا، ما تقوم به الولاياتُ المتحدة من تشديد القيود على بعض المستخدِمين تحت ذرائع "الأمن القوميّ" و"مكافحة الإرهاب." أمّا المجموعة الثالثة فقنّنت استخدامَ الإنترنت بشكلٍ جدّيّ، إذ حجبتْ بعضَ المواقع التي لم تكن تندرج ضمن "خدش الحياء ومخالفة القيم،" ولا ضمن الترويج للإيديولوجيّات المخالفة لتوجّه الدولة: فأوقفتْ بعضَ مواقع التواصل الاجتماعيّ، من فايسبوك وتويتر وحتى ويكيبيديا[2] وغيرها؛ أو حدّتْ من إمكانيّات تطبيقاتٍ أخرى، فمنعت المحادثاتِ الصوتيّةَ والمرئيّةَ من خلال تطبيقات مثل فايبر وواتساب؛ وأحلّت مكانَ الإنترنت شبكةً داخليّةً خاصّةً بها (Intranet)، غيرَ متّصلةٍ بالخارج، كما يحصل في كوريا الشماليّة مثلًا.

 

يشير الرسمُ أعلاه إلى توزّع الدول الثلاثين الأكثر تقنينًا لاستخدام الإنترنت وفق الأسباب التي تدفعها إلى ممارسة الرقابة. ونلاحظ أنّ بعضَ هذه الدول تصنَّف من ضمن "الدول المتقدّمة،" أو التي تسعى إلى الانضمام إلى المعسكر الغربيّ مثل تركيا وكوريا الجنوبيّة. أمّا أغلبيّة الدول فهي إمّا دولٌ عربيّة ذاتُ أنظمة أوليغارشيّة أو شموليّة، وإمّا دولٌ شيوعيّة سابقة أو حاليّة.

إذًا، لا تبتعد الدولُ "المتقدّمة" عن مراقبة الإنترنت، أو العمل على الحدّ من تدفّق المعلومات. فأوروبا تسعى إلى فرض قوانين عدّة تُلزم عمالقةَ الإنترنت، كغوغل وفايسبوك وغيرهما، بتعديل طُرق عملها. نذكر مثلًا مهمًّا على ذلك، هو سعيُ الاتحاد الأوروبيّ دائمًا إلى إلزام غوغل بتطبيق مبدأ "حقّ النسيان،" أيْ حقِّ الأفراد في أنْ تُحذف الأخبارُ المتعلّقةُ بهم من نتائج البحث، وذلك لمرور الزمن، أو لأنّها تشكّل تشويهًا (متعمّدًا أو غير متعمّد) لسمعتهم. وعليه، فقد تلقّت غوغل أكثرَ من مليون عنوان إلكترونيّ بغية حذفها في الشهر الأول من دخول هذا الموضوع حيّزَ التطبيق.[4] وقد يظنّ المرء، للوهلة الأولى، أنّ في هذا التدبير حمايةً لخصوصيّة الأفراد. غير أنّ هذا التدبير، في الواقع، تدخّلٌ (Editing) في المعلومة؛ وهو يصنَّف ضمن خانة تقنين تدفّق المعلومات أو مراقبته.

إلّا أنّ مراقبة تدفّق المعلومات قد لا يكون كافيًا في بعض الأحيان. عندها، تسعى الدولةُ إلى ممارساتٍ أكثر راديكاليّةً. وهذا ما حصل خلال العقد الأخير في عددٍ من الدول، وبينها مصر. ففي كانون الثاني 2011، تداعى آلافُ الشباب المصريّين إلى التظاهر ضدّ نظام حسني مبارك، فأوعز - عند إحساسه بالخطر - بقطع الاتصال بشبكة الإنترنت عن كلّ المصريين. وفي الهند وإثيوبيا وغيرهما، قامت الدولةُ (وما زالت تقوم) بقطع الخدمة وفقًا لِما تراه مناسبًا.[5] والحقيقة أنْ لا مجالَ هنا لتجاوز هذا القطْع، وإنْ كان هناك عدد من الاقتراحات لتجاوُز هذه المشكلة: فقد أعربتْ غوغل، مثلًا، عن استعدادها في حينه لنشر مناطيد إرسال. إلّا أنّ الفكرة لم تدخلْ حيّزَ التنفيذ.

 

4

هذا في الدول التي تمارس قطْعَ الاتصال بالإنترنت. أمّا في الدول التي تمارس التقنينَ والرقابة، فإنّ الوضع يختلف تمامًا. فرغبةُ الناس في الحصول على المعلومات، بأيّ ثمن، يدفعهم إلى تبنّي ما تيسّر من الوسائل التكنولوجيّة. ومن هذه الوسائل التي تزداد شعبيّتُها، يومًا بعد يوم، "الشبكة الخاصّة الافتراضيّة" (Virtual Private Networking)، واختصارًا VPN. وهي تقوم على تحويل تدفّق المعلومات لتصبح وكأنها في شبكةٍ خاصّة، عوضًا من الشبكة العالميّة المفتوحة. وبهذه الطريقة يمكن إخفاءُ عنوان برتوكول الإنترنت (IP Address)، وهو العنوان الذي يُخصَّص لكلّ جهازٍ متّصلٍ بالشبكة، ومن مهامّه تحديدُ مكان كلّ جهاز متّصل، بحيث يصبح ممكنًا تزويدُه بخدماتٍ محدّدة أو حجبُها عنه.

مثلًا، عند الدخول إلى موقع الغوغل من خلال عنوانٍ الكترونيّ  (IP) لبنانيّ، نحصل على نتائج بحثٍ للبنان، ونشاهد المحتوى على Netflix المخصّص للبنان. أمّا عند الاتصال من خلال خدمة VPN، فإنّه يتمّ تزويدُ الجهاز بعنوانٍ افتراضيّ، ومن ثمّ بمكانٍ افتراضيّ يختاره المستخدِم. وهكذا، فإنّ في مقدور المستخدم اللبنانيّ تصفُّحَ الشبكة وكأنّه مقيمٌ في فرنسا أو الولايات المتّحدة. هذا، وتتوفّر خدمةُ VPN بشكل مجّانيّ، وبإمكانيّاتٍ محدودة، ولكنْ بشكل أكثر تقدّمًا وأمنًا إذا كانت "مدفوعةَ الأجر." وهكذا، فإنّ الحواجز المفروضة على المتصفّح وفقًا لمكانه الجغرافيّ (Geo Restrictions) لا يعود لها أيُّ معنًى؛ كما أنّه يستطيع تصفّحَ الإنترنت من دون تمكّن الشركات المزوِّدة لخدمة الإنترنت من معرفةِ ما يفعله وراء جهازه. وعندما نشير إلى أنّ نسبة مستخدمي هذه الخدمة في ازدياد مطّرد حول العالم، ندرك مدى رغبة المستخدمين في الحفاظ على خصوصيتهم، وفي الوصول اللامحدود إلى المعلومة والمادّة الإعلاميّة والترفيهيّة المنقولة من خلال الانترنت.

تضاعف عددُ مستخدمي VPN 4.5 أضعاف خلال سنتين فقط (2016 - 2018)، حتّى وصل حاليًّا إلى 25% من مجموع المتّصلين بالإنترنت. وتتربّع إندونيسيا على لائحة مستخدمي الـVPN بنسبةٍ بلغتْ 39% من المتّصلين بالشبكة. أمّا الدولة العربيّة الأولى فهي السعوديّة بنسبة 29%. أضف إلى هاتين الدولتين، اللتين يمكن أن نعتبر أنّهما تمارسان رقابةً على المحتوى، الدولَ الغربيّةَ التي تصنِّف نفسَها بأنّها "منفتحةٌ وحرّة،" إذ تبلغ نسبةُ الاستخدام في الولايات المتحدة مثلًا ما يزيد عن 15%.[6]

 

 

صحيح أنّ نسبة الاستخدام مرتفعة وإلى ازدياد، إلّا أنّ أسبابه مختلفة وفق الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة في كلّ بلد. ففي حين يحتلّ هدفُ "الحفاظ على الخصوصيّة" وإخفاء الهويّة المرتبةَ الأولى في أسباب الاستخدام في الصين، فإنّ "الوصول إلى محتوى ترفيهيّ أفضل" هو السبب الأساس في الدول المحافظة كالسعوديّة والإمارات.

 

 

هكذا يتبيّن أنّ في إمكان مستخدمي الإنترنت في الدول التي تقنّن حركةَ المعلومات الوصولَ إلى ما يريدونه من خلال استخدام تقنيّة VPN. ففي السعوديّة مثلًا، وهي الدولة العربيّة الأكثر استخدامًا لهذه التقنيّة، يتمكّن المستخدمون من الوصول إلى المحتوى الترفيهيّ، ومن ضمنه الإباحيّ، بالإضافة إلى الاتصال الصوتيّ والمرئيّ بالخارج، من خلال تطبيقات الدردشة. إلّا أنّ أحد أسباب استخدام VPN هو الوصول إلى عالم الإنترنت المظلم، بحيث يتمكّن المستخدمُ من حماية نفسه كزائرٍ لهذا العالم، علمًا أنّ الغوص فيه محميٌّ أصلًا [9] بمتصفّح TOR. أضف إلى أنّ السبب الذي يدفع المرءَ في الغرب تحديدًا، وفي الدول التي تتشدّد في حماية الملكيّة الفكريّة، إلى استخدام VPN هو تنزيلُ محتويات التورنت، من موادَّ ترفيهيّةٍ وبرامجَ مقرصَنةٍ وموسيقى وغيرها، وذلك بسبب الغرامات والعقوبات التي تفرضها تلك الدولُ في مكافحة القرصنة الإلكترونيّة.[10]

 

5

في أيّار 2019، أطلق برنامجُ ستارلينك (Starlink)، التابع لإيلون ماسك (Elon Musk)،  ستين قمرًا اصطناعيًّا إلى مدار الأرض. وسينضمّ إلى هذه الأقمار مستقبلًا حوالي 7000 قمر آخر، لتشكّل جميعُها شبكةً متكاملةً تهدف إلى تأمين الإنترنت إلى جميع بقاع الأرض بنوعيّةٍ وسرعةٍ لا مثيلَ لهما، وبأسعارٍ زهيدةٍ جدًّا.[11] وهكذا، فإنّ الوصول إلى شبكة الإنترنت سيصبح في متناول الجميع من دون أن تتمكّن الدولةُ من فرض أيّ رقابةٍ عليه، لأنّها لا تتحكّم بالمصدر، ولا حتى بنقاط التحويل من الشبكة العالميّة إلى الشبكة المحلّيّة. وأمام هذا المستقبل القادم، سيصبح الوصولُ إلى المعلومة، مهما كانت متلائمةً أو غيرَ متلائمةٍ مع قناعات المجتمعات، أمرًا لا يمكن تجنّبُه.

لقد تحوّل الإعلامُ العالميّ بشكل جذريّ بعد الثورات المتتابعة التي تعصف بقطاع الاتصالات ـــ وهي ثوراتٌ بالفعل بسبب سرعة التغيّرات وما تتيحه من إمكانيّات للتواصل. وتجلّت هذه التغيّرات بوضوحٍ في خضمّ الحَراك الذي شهدته بعضُ الدول العربيّة ابتداءً من العام 2011 (تونس)، ولغاية اليوم (السودان). وتمكّن المتظاهرون والمحتجّون من توظيف الإنترنت، وما أتاحه لهم من إمكانيّة الوصول إلى المعلومة وإيصالها، في خدمة حَراكهم. كما أنّ الدول، أو الأنظمة المستهدَفة بهذه الحراكات، سرعان ما تنبّهتْ إلى أهمّيّة ردّ الهجوم الإلكترونيّ الذي تتعرّض له بالطريقة نفسها.

هنا، لا بدّ من طرح التساؤلين الآتيين: أيُّهما أفضل: الاختباء وراء سياسات التعتيم التي أثبتتْ عدمَ فعّاليّتها أمام الرغبة في الوصول إلى المعلومة، أمْ تحصين المجتمعات من داخلها ضدّ ما تراه "غيرَ مقبول"؟ ومن يحدِّد غيرَ المقبول من المقبول أصلًا؟

إلّا أنّ ما يبقى ثابتًا هو ضرورةُ تحصين الداخل إزاء الهجمة المعلوماتيّة التي تتلقّفها، أوّلًا، الفئاتُ الفتيّة والشابّة، وغالبيّتُها غيرُ محصَّنة ولا تدرِك تاريخَها إدراكًا وافيًا، خصوصًا في ما يتعلّق بمسألة الصراع مع العدوّ الإسرائيليّ، المغيّبة من الأذهان والنصوص المدرسيّة إلى حدّ كبير. وعليه، فلا بدّ للدولة من أن تَفرض الخطوطَ الحمرَ المتعلّقة بالتواصل والتطبيع مع هذا العدوّ، ولو أخلاقيًّا وقيميًّا، في ظلّ صعوبة مراقبة المتصلين بالشبكة العالميّة.

بيروت

 


[1] . يُطلق مصطلح الإنترنت 2.0 (Internet 2.0) على المقاربة الجديدة التي اتخذتها مواقعُ الإنترنت في نهاية التسعينيّات، حين أصبح المستخدِم محرِّرًا للمحتوى الانترنتيّ، لا مستهلِكًا له فحسب. للمزيد عن مفهوم الإنترنت 2.0، يمكن الاطّلاع على فصل: "الإعلام والإمبرياليّة الثقافيّة،" في كتاب: شوقي عطيّه، الوجه الآخر للإعلام: الاتصال والتواصل بين الرسالة والتسويق (بيروت: دار نلسن؛ طرابلس: جروس برس، 2016). ويمكن الاطّلاعُ على الكتاب من خلال الرابط التالي: http://crss-ul.com/file.php?id=118).

[2] . حجبتْ تركيا موقع ويكيبيديا بحجّة حماية الأمن القوميّ، وذلك إثر الانقلاب الذي حصل سنة 2017. للمزيد، يمكن الاطّلاعُ على تقرير نشرته صحيفة غارديان، نقلًا عن شبكة رويترز، على:

https://www.theguardian.com/world/2017/apr/29/turkey-blocks-wikipedia-under-law-designed-to-protect-national-security

[3] . LE VPN, Top 10 Censors of the Internet and how to avoid internet censorship, LEVPN.com, 25-7-2018. Retrieved from

 https://www.le-vpn.com/top-10-censors-internet-avoid-internet-censorship

[4] . Owen Bowcott, “'Right to be Forgotten' by Google Should Apply Only in EU, Says Court Opinion,” The Guardian, 10-1-2019. Retrieved from

 https://www.theguardian.com/technology/2019/jan/10/right-to-be-forgotten-by-google-should-apply-only-in-eu-says-court

[5] . Nick Routley, "Internet Censorship Around the World," Visual Capitalist, 30-9-2017. Retrieved from: https://www.visualcapitalist.com/internet-censorship-map/

[6]. Rob Mardisalu, "VPN Statistics and Usage,” The Best VPN. Published: 21-3-2019. Retrieved: 24-6-2019. Retrieved from: https://thebestvpn.com/vpn-usage-statistics/

[7].  ibid

[8] . ibid

[9]. للمزيد من المعلومات حول الإنترنت المظلم والإنترنت الخفيّ (Dark Web & Deep Web)، راجع كتاب عطيّة، وهو مذكور سابقًا، وبخاصّةٍ الفصل الثالث.

[10]. للمزيد من المعلومات عن الإحصائيّات المتعلّقة بانتشار VPN تمْكن مراجعةُ الروابط التالية:

[11] . Avery Thompson, “Elon Musk Wants Global Broadband Internet. Here's His First Step,” Popular Mechanics, 13-5-2019. Retrieved from

https://www.popularmechanics.com/space/satellites/a27456305/elon-musk-spacex-starlink-internet-satellite-network/   

 

المصدر: مجلة الاداب