«أجرينا خلال الأسابيع الماضية ثلاثة اختبارات سرية وخارقة لصاروخ «السهم 3 (arrow 3)» وكان نجاح هذه الاختبارات يتخطى الخيال. اعترض «arrow 3» بنجاح تام صواريخ باليستية خارج الغلاف الجوي على ارتفاعات عالية وبسرعة كبيرة على نحوٍ غير مسبوق. كان التنفيذ مثاليًا، وكل إصابة كانت في الصميم».

حين استخدم أوفير جندلمان، المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الصفات التفخيميّة السابقة في إعلانه عن نجاح اختبار ألاسكا، إنما كان في الواقع يحاول إعادة الاعتبار للمنظومة الإسرائيلية التي أُجهِضَت أولى تجاربها الكاملة في عام 2014 بسبب «تحليق خاطئ للصاروخ المستهدف»، ثم أُلغيت اختبارات لاحقة أواخر 2017 وأوائل 2018؛ بسبب «مشكلات فنية». 

وكعادته تفاخر نتنياهو بأن إسرائيل «تمتلك اليوم القدرة على العمل ضد صواريخ باليستية تطلق علينا من إيران ومن أي مكان آخر. هذا إنجاز عظيم بالنسبة لأمن إسرائيل.. فليعلم جميع أعدائنا أننا نستطيع التغلب عليهم في الدفاع وفي الهجوم على حد سواء». 

وفي مستهل الجلسة الأسبوعية للحكومة الإسرائيلية حرص نتنياهو على الجلوس إلى جانب السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، ليشاهدا أمام الكاميرات كيف اعترض صاروخ «حيتس 3 (arrow 3)» صواريخ باليستية، في التجربة التي أجريت بالتعاون مع وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية.

لكن في خضم الأجواء الاحتفالية تغيب عادة الأسئلة الأكثر أهمية، مثل السؤال الذي طرحه مايكل بيك عبر مجلة «ناشيونال إنتريست»: «هل نظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي الجديد قادر على كبح جماح إيران إذا اندلعت الحرب، أم أنه مضيعة للمال؟».

منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية.. 4 طبقات من الحماية لا تكفي!

للإجابة عن هذا السؤال، نحتاج أولًا إلى رسم صورة أكثر شمولًا للمنظومة الدفاعية التي تستخدمها إسرائيل لحماية أجوائها من مختلف الهجمات الصاروخية، وهي في الحقيقة مكونة من أربعة مستويات مختلفة: 

1. «القبة الحديدية» ضد الصواريخ قصيرة المدى
هو نظام دفاع جوي متحرك طورته شركة «رافائيل» لأنظمة الدفاع، بهدف اعتراض الصواريخ قصيرة المدى والقذائف المدفعية، واستخدمته إسرائيل بكثافة ضد صواريخ «حماس»، لكنه يواجه انتقادات من الخبراء لأسباب تتعلق بتكلفته الباهظة وعدم فعاليته في مواجهة رشقات من الصواريخ والقذائف المتزامنة.

والدليل على ذلك أن القبة الحديدية فشلت أكثر من مرة مؤخرًا في اعتراض صواريخ أُطلقت من قطاع غزة باتجاه تل أبيب؛ ما استدعى تحقيقًا داخل الجيش الإسرائيلي. والأخطر أن «القناة 13» العبرية كشفت عن إصابة 30 جنديًا من وحدات الدفاع الجوي لدى الجيش الإسرائيلي بالسرطان، مشيرة إلى أن أغلبهم من العاملين في خدمة القبة الحديدية.

وبينما أرجعت صحيفة «يديعوت أحرونوت» فشل القبة الحديدية إلى أن المنطقة التي استهدفت مؤخرًا بالصواريخ القادمة من غزة ليست مغطاة بالمنظومة الدفاعية، لكن «حماس» أوضحت أنها تمتلك صاروخًا، أطلقت عليه اسم «جاي 80»؛ تيمنًا بزعيم الجناح العسكري أحمد الجعبري، لا يمكن تعقبه نظرًا لأنه لا يتخذ مسارًا خطيًا أثناء تحليقه في الجو، بل يتخذ مسارًا متعرجًا يجعل من الصعب على المنظومة الدفاعية رصده.

2. «مقلاع داود» ضد الصواريخ متوسطة المدى
هو نظام دفاع صاروخي يعادل منظومة «باتريوت» الأمريكية من تطوير شركتي «رفائيل» الإسرائيلية و«رايثيون» الأمريكية، مصمم لاعتراض وتدمير صواريخ يتراوح مداها من 100 إلى 200 كيلو متر، أو طائرات أو صواريخ «كروز» على ارتفاعات منخفضة، ويعرف أيضًا باسم العصا السحرية.

لكن حين جدّ الجدّ فشلت عصا إسرائيل السحرية في التصدي لصواريخ توتشكا التكتيكية «إس إس-21» سوفيتية الصنع التي أطلقت من الأراضي السورية العام الماضي.

على غرار فشل القبة الحديدية، استدعى فشل «مقلاع داود» أيضًا تحقيقًا إسرائيليًا داخليًا أجرته وزارة الدفاع ومجمع رفائيل، وخلُصَ إلى أن الصواريخ الإسرائيلية، التي تكلف مليون دولار، عجزت عن اعتراض الصواريخ السورية بسبب عوامل تقنية، وليس بشرية.

3. «السهم 2 (arrow 2)» ضد الصواريخ الباليستية متوسطة المدى
منظومة «السهم 2 (arrow 2)» مخصصة لاعتراض الصواريخ متوسطة إلى بعيدة المدى، لكنها أيضًا كانت قد واجهت بعض المشكلات التقنية التي أجبرت البنتاجون الأمريكي في عام 2009 على وقف تجاربها قبالة سواحل كاليفورنيا.

وصممت إسرائيل نظام السهم في الأصل للتصدي للتهديدات إيرانية واعتراض «صاروخ سكود» الذي يتراوح مداه ما بين 300 إلى 400 كيلو متر، ومع تطوير الجمهورية الإسلامية لصواريخ ذات مدى أبعد، طورت إسرائيل نظام «السهم 2 (arrow 2)».

4. «السهم 3 (arrow 3)» ضد الصواريخ العابرة للقارات
تمثل منظومة «السهم 3 (arrow 3)» المستوى الأعلى لشبكة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية متعددة المستويات، وهي مصممة لإسقاط صواريخ بالستية عابرة للقارات خارج الغلاف الجوي، واعتراض الصواريخ ورؤوسها الحربية النووية والبيولوجية والكيميائية أو التقليدية في نقطة أقرب إلى مواقع إطلاقها.

وبطارية «السهم 3 (arrow 3)» مصممة لاعتراض أكثر من خمسة صواريخ باليستية خلال 30 ثانية، وتسميتها قد تبدو مضللة، بحسب موقع «جلوبال سيكيوريتي»؛ لأنها ليست نسخة مطورة من «السهم 2 (arrow 2)»، بل منظومة اعتراضية جديدة تمامًا تستخدم آلية استهداف مختلفة.

ويصف مراسل الحرب الإسرائيلي المخضرم، رون بن يشاي، هذه المنظومة التي عكفت منظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية ووكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية على تطويرها على مدى عقد من الزمن تقريبًا، بدءًا من عام 2008 بأنه «عنصر حيوي في استجابة إسرائيل لتهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية المسلحة برؤوس نووية».

ماذا وراء اختبار المزامنة بين منظومتي «arrow 3» و«ثاد»؟
منظومة «السهم 3 (arrow 3)» ليست جزءًا من مظلة الدفاع الصاروخي الأمريكي، على الرغم من أن واشنطن مولت المنظومة بحوالي مليار دولار. أما الولايات المتحدة فتعتمد على نظام الدفاع الصاروخي الأرضي «جي بي إم دي (GBMD)» لاعتراض الصواريخ أثناء تحليقها في الفضاء قبل إطلاق رؤوسها الحربية.

ومن اللافت أن اختبارات ألاسكا شملت مزامنة بين منظومة «arrow 3» ورادار «AN-TPY2» الذي يُعرف أيضًا باسم «إكس-باند»، وهو جهاز متنقل مدمج في منظومة الدفاع الجوي الصاروخي أرض جو «THAAD».

وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة نشرت بالفعل منظومة «ثاد» في إسرائيل، فإن هذه المزامنة تشير – في رأي مايكل بيك – إلى احتمالية أن يكون اختبار ألاسكا يهدف إلى اختبار تكامل منظومتي «السهم 3 (arrow 3)» و«ثاد». 

لكن رون بن يشاي نقل التكهنات إلى مستوى أعلى حين كتب في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن «مزامنة «السهم 3 (arrow 3)» مع نظام أمريكي متمركز بشكل دائم في صحراء النقب يوفر شبكة أمان حيوية إذا حدث أي خلل في النظام الإسرائيلي».

لماذا يمثل «السهم 3 (arrow 3)» أهمية قصوى للأمن القومي الإسرائيلي؟
لتوضيح الأهمية القصوى التي يمثلها نظام «السهم 3 (arrow 3)» للأمن القومي الإسرائيلي، استعرض المقال المنشور في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العناصر الثلاثة الأساسية التي يُبنى عليها أي برنامج نووي عسكري:

المواد الانشطارية: البلوتونيوم أو اليورانيوم عالي التخصيب، التي تشكل المتفجرات النووية.
 العبوة الناسفة: آلية الانفجار التي تبدأ عملية الانشطار النووي داخل نواة البلوتونيوم أو اليورانيوم في القنبلة.
طريقة إيصال السلاح النووي: لتوجيه القنبلة إلى الهدف وتفجيرها.
ولأن العنصر الثالث هو محور النقاش المتعلق بمنظومة «السهم 3 (arrow 3)»، من المفيد معرفة أن هناك ثلاثة خيارات رئيسة لإيصال القنبلة النووية إلى هدفها: 

الطائرات، كما فعل الأمريكيون في هيروشيما وناجازاكي خلال الحرب العالمية الثانية.
صاروخ كروز، وهو في الأساس طائرة صغيرة بدون طيار تحمل جهازًا نوويًا.
الصواريخ الباليستية.
ولأن أحدث تقييم استخباراتي إسرائيلي يشير إلى أن التهديد الذي تشكله إيران هو الأولوية لدى الجيش الإسرائيلي، فلابد أن يرسو الحديث على شاطئ الصواريخ الباليستية، التي حين تُستَخدَم ترتفع القذيفة لتخرج من الغلاف الجوي، وتحلق في مدار مقوس، وتعود إلى الجو عندما ينفصل الرأس الحربي، ثم ينفجر الرأس الحربي. 

تتضمن هذه العملية عادةً رأسًا حربيًا واحدًا يزن 800 كجم لكل طن، أو عدة رؤوس حربية تزن حوالي 250 كجم. هذه الرءوس الحربية النووية الصغيرة تنفصل عن الصاروخ بالقرب من الهدف، قبل أو بعد فترة وجيزة من عودته إلى الغلاف الجوي.

ربما لا يمتلك الإيرانيون، وفقًا لمعلومات أجهزة الاستخبارات الغربية والإسرائيلية، قدرة مثبتة على صنع جهاز متفجر نووي فعال يتناسب مع رأس حربي صاروخي، ناهيك عن صاروخ برءوس حربية متشعبة. 

إلا أنهم يسعون لإنتاج رؤوس حربية متشعبة، لصاروخ «شهاب 3» أو صواريخ أخرى يصل مداها إلى أكثر من 1300 كيلو متر، وبالتالي يمكن أن تصل من وسط أو شرق إيران إلى إسرائيل.

هذا هو السبب الرئيس وراء إصرار إسرائيل على امتلاك منظومة «السهم 3 (arrow 3)» المصممة لمنع دخول صاروخ باليستي مسلح برؤوس حربية نووية إلى الغلاف الجوي، والحول دون انفجاره في مكان يسبب أضرارًا لإسرائيل.

وتدمير الرأس الحربي أثناء وجوده في الفضاء لا يضمن فقط ألا يصيب الصاروخ هدفه على الأرض مباشرة، بل يحول أيضًا دون عودة ما تبقى منه ومن رءوسه الحربية إلى الغلاف الجوي والاصطدام بالمنطقة المستهدفة.

أما إذا تمكن الرأس الحربي النووي من العودة إلى الغلاف الجوي فإن اعتراضه داخل المجال الجوي الإسرائيلي أو بالقرب منه سيؤدي إلى تلوث إشعاعي كبير حتى لو لم يضرب المنطقة المستهدفة مباشرة.

كما أن إيقاف الرؤوس الحربية النووية قبل دخولها المجال الجوي يمنح إسرائيل فرصة لتدميرها بطريقة أخرى في حال فشل مهمة الاعتراض الأولى. 

هل يوفر «السهم 3 (arrow 3)» حماية كاملة لإسرائيل من الهجمات الصاروخية؟
بعيدًا عن اللغط الدائر حول أسلحة إيران النووية، تطور الجمهورية الإسلامية صواريخ يمكنها ضرب إسرائيل، وأوروبا، وربما الولايات المتحدة. ففي 24 يوليو (تموز) الماضي اختبرت طهران «شهاب 3»، وهو صاروخ باليستي متوسط المدى، بلغ مداه أثناء الاختبار 1000 كيلو متر. ورغم أن «شهاب 3» لا ينتهك للقانون الدولي، إلا أنه يتحدى مطالبات الأمم المتحدة بأن تمتنع طهران عن تطوير صواريخ يمكن أن تحمل أسلحة نووية. 

عند هذه النقطة، يتضح أن منظومة السهم-3 قد لا تحل مشكلة إسرائيل، بحسب التحليل المنشور في دورية «ذا ناشيونال إنترست»؛ ذلك أن أداء منظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلي ضد صواريخ «حماس» البدائية، أو اختبارات الدفاع الصاروخي في الارتفاعات العالية، كان مختلطًا في أحسن الأحوال.

وعلى افتراض أن منظومة «السهم 3 (arrow 3)» تعمل بكفاءة ضد مجموعة من الصواريخ الإيرانية ذات الرؤوس الحربية والشراك الخداعية، فإن هذه الأخيرة قد لا تشكل التهديد الأكبر لإسرائيل، بل ترسانة «حزب الله» الصاروخية التي يبلغ عددها حوالي 130 ألف صاروخ، وبعضها مزود بنظام «GPS».

قبل الوصول إلى هذه النقطة يتعين على إسرائيل – وفق نصيحة روي بن يشاي – أن تتأكد من أن لديها قاذفة ومخزونات صواريخ كافية لمواجهة أي هجوم قد يشتمل على عدد كبير من الصواريخ التي تحمل رؤوسًا نووية أو هيدروجينية تُطلق من إيران على إسرائيل.

ومستقبلًا ليس من الواضح ما إذا كان نظام «السهم 3 (arrow 3)» يمكن أن يوفر استجابة للأسلحة التي تفوق سرعة الصوت، والتي ستظهر على مدى السنوات الخمس إلى العشر القادمة بحوزة القوى العظمى. صحيح أن استحواذ الإيرانيين على مثل التقنية قد يستغرق فترة أطول قليلًا، لكن المراسل العسكري المخضرم بن يشاي ينصح إسرائيل بالاستعداد المبكر والتفكير في الأمر من الآن.

المصدر: ساسة بوست