هل تؤثر الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة على مستقبل الاقتصاد الإيراني؟
في خطوة وصفها البعض بالمخاطرة الشديدة؛ قامت الصين ولأول مرة في نهاية شهر أغسطس الماضي بوضع واردات النفط الأمريكي الخام على قائمة التعريفات الجمركية، مما يعني أن الصين قد أعلنت الحرب من جانبها أيضا وقررت إصدار بعض القرارات الانتقامية بحق واشنطن، وربما كان ذلك نوع من الرد على قيام الولايات المتحدة بفرض تعريفة جمركية جديدة على الواردات من السلع الصينية.
وتستورد الصين نحو 6% من إجمالي النفط الخام من الولايات المتحدة الأمريكية مما يطرح تساؤلا هاما هنا، فكيف يمكن للصين أن تقدم على تلك المغامرة التي من الممكن ان تتسبب في خسارتها للنفط الأمريكي الخام والذي يعد بمثابة شريان الحياة بالنسبة للصناعات الصينية!
وتأتي أهمية هذا القرار أيضا في الوقت الذي تستعد فيه الصين لفرض تعريفة جمركية جديدة على الواردات من السيارات الأمريكية، مما يعني أن الحرب التجارية سوف تستعر أكثر وأكثر في ظل التصعيد المستمر بين الجانبين.
وقد أشارت بعض التقارير الأخيرة إلى أن اعتماد الصناعة الصينية على النفط الخام قد قفز فعليا إلى 70% مما يؤكد صحة الطرح القائل بأن الصين لن تخاطر بخسارة النفط الأمريكي إلا في حال حصولها على مصدر بديل للنفط، وهنا يظهر اللاعب الجديد على رقعة الشطرنج، النفط الإيراني المتحرر من التعريفات الجمركية، مما يعني أن نطاق الحرب التجارية وتأثيرها على العلاقات الجيوسياسية في المنطقة قد بدأ في الاتساع، ولعل ذلك قد يحمل في طياته تبعات كثيرة، مما يفرض حتمية قراءة المشهد مستقبلا على ثلاث مستويات رئيسية.
أولا، فيما يتعلق بالحرب التجارية، فإن فرض التعريفات الجمركية الصينية على النفط الأمريكي سيعمل على تقويض مكانة الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى والبطل الجديد في مجال إنتاج النفط. وثانيا، فعلى صعيد العلاقات الجيوسياسية، فإن اعتماد الصين على النفط الإيراني سوف يسهم في تعزيز الاقتصاد الإيراني مما يمكنه من التغلب على العقوبات الأمريكية، فلا يمكن أن ننسى أن إيران هي حلقة الوصل الرئيسية في مبادرة الحزام والطريق المطروحة من قبل المارد الصيني، ثالثا، إذا فشلت الولايات المتحدة في تسوية النزاعات التجارية مع الصين، فإن تخلي الصين عن النفط الأمريكي سيصبح أمرا واقعا بمرور الوقت، مما يسبب عائقا اقتصاديا بالنسبة لواشنطن، ومن ناحية أخرى فإن ذلك يعد بمثابة إعلان الصين لحرب تجارية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.
على الرغم من أن الصين قررت مؤخرا زيادة إنتاجها المحلي من الغاز في مقاطعة سيتشوان ، حيث ارتفعت من حوالي 20 في المائة في الوقت الحالي إلى حوالي 33 في المائة من احتياجات البلاد ، إلا أن هذا لن يكون كافيا بالنسبة لحجم الاقتصاد الصيني ؛ وبالتالي ، فإن الصين سوف تعمد إلى توسيع نطاق استثماراتها في قطاع الطاقة الإيراني.
وتشير التقارير، إلى أن الصين تسعى حاليا لاستثمار حوالي 280 مليار دولار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، مما سيتيح لها إمكانية شراء منتجات الطاقة من إيران بأسعار مخفضة ، وبالتأكيد أرخص بكثير من النفط الأمريكي. وبالرغم من المخاوف بشأن العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على الشركات الصينية الضالعة في شراء النفط الإيراني ، إلا أن الصين أعلنت بأنها مستعدة لمواجهة ذلك. فعندما قررت الصين إبرام الصفقة مع إيران ، أكدت بأنها لا تخيفها “العقوبات الثانوية” التي هددت الولايات المتحدة بفرضها على الشركات والبلدان التي لا تزال لديها روابط اقتصادية مع إيران.
وقد يكون لذلك القرار الصيني تداعيات على صعيد العلاقات الجيوسياسية في المنطقة، فقد تعمد الصين إلى توسيع نطاق استخدام خط أنابيب الغاز بين تركمانستان والصين لاستيراد النفط والغاز من إيران ، بل ويمكنها بناء خطوط أنابيب جديدة ، مما يسمح لها ليس فقط بالوفاء باحتياجاتها من الطاقة فحسب بل أيضا تقليل اعتمادها على مصادر النفط الأمريكية وموردي الغاز من الشرق الأوسط ، وهما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.
والجدير بالذكر أن الصين تمتلك أيضا حجما كبيرا من الاستثمارات في مجال البنية التحتية الإيرانية كقطاع النقل والمواصلات، مما يوفر للصين المزيد من خطوط النقل البرية لتسهيل الحركة التجارية بينها وبين مختلف دول العالم. ومن المثير للاهتمام أيضا هو أن من بين الموانئ الهامة التي تتطلع إليها الصين حاليا هي ميناء تشابهار الهندي، وقد تراجعت العلاقات الإيرانية الهندية خلال الآونة الأخيرة بسبب الامتثال الهندي التام للأوامر الأمريكية بخفض ورادات الهند من النفط الإيراني، ولعل ذلك ما أفسح المجال أمام الصين كي تسد ذلك الفراغ في الاقتصاد الإيراني.
وتأتي الاستثمارات الصينية في إيران تزامنا أيضا مع إعلان الصين عن عزمها إرسال نحو 5000 فرد من قوات الأمن الصينية إلى طهران من أجل حفظ أمن وسلامة المشروعات الصينية من التعرض لأي ضربة أمريكية محتملة، سواء جاءت تلك الضربة من واشنطن نفسها بصورة مباشرة أو عبر أحد من حلفائها أو بعض المواقع التي لازالت خاضعة لسيطرة القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق.
وبالتالي، فإنه إذا ما أقدمت واشنطن على أي فعل متهور، فإن ذلك لا يعني مواجهة العملاق الفارسي فحسب بل والمارد الصيني أيضا.
وتأكيدا على التعاون الصيني الإيراني القائم في مواجهة الولايات المتحدة، كتب محمد ظريف وزير الشئون الخارجية الإيرانية في افتتاحية لصحيفة جلوبال تايمز قائلا:” لقد أصبحت الصين شريكا اقتصاديا أساسيا بالنسبة لإيران، وأن كلا البلدين قد أصبحا شريكين استراتيجيين على جبهات عديدة، ولعل القاسم المشترك في الأساس هو مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية”.
وأضاف بأن الوجود الصيني القوي على أرض طهران يعد بمثابة دفعة قوية لبعض البلدان الأخرى لمواجهة الولايات المتحدة، بما في ذلك روسيا وتركيا وباكستان والتي تؤسس لقيام كيان آسيوي على خلفية مبادرة الحزام والطريق، وبالتالي فإنه من أجل ظهور نظام جديد، لابد أولا من التخلص من رواسب الماضي، مما يجعل التحدي الصيني بمثابة حجر الزاوية لقيام النظام الجديد.

المصدر: strategicfile