قانونُ الإرهابِ وإرهابُ الكتّاب في السعودية - رانيا شومان

آخر تحديث: 24 كانون الأول , 2016 - 18:54

قانونُ الإرهابِ وإرهابُ الكتّاب في السعودية - رانيا شومان

 ثلاثة أعوام مرّت على إصدار الحكومة السعودية لنظام جرائم الارهاب وتمويله، أو ما عرف بقانون الارهاب الذي حذرت منه منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش وآمنستي، مذ كان لا يزال مشروع قانون في ديسمبر من العام 2013.
يمكن اعتبار هذا القانون مفصلا بارزاً في الحياة السياسية والاجتماعية في المملكة، فهو أتى لتقنين القمع والانتهاكات الحكومية بحق المعارضين والاصلاحيين والنشطاء وكل من يمتلك وجهة نظر مخالفة للسلطة.
دخل هذا القانون حيز التنفيذ في الأول من فبراير 2014، وقد حوى تعريفا فضفاضاً للارهاب، ومنح وزارة الداخلية صلاحيات واسعة، مضيفاً صبغة قانونية على انتهاكات حقوق الانسان ضد المعتقلين.
ومنذ اقراره، شهدت اوضاع حقوق الانسان في السعودية تدهورا ملموساً، وبموجبه تمت إدانة وسجن العشرات من النشطاء البارزين بتهم عدة من بينها الاخلال بالنظام العام والافتئات على ولي الامر.
مؤسسو واعضاء جمعية الحقوق السياسية والمدنية (حسم)، نشطاء من المنطقة الشرقية، مغردون على تويتر وكتاب ومدونون، كانوا ضحايا قانون الارهاب سيئ الصيت.
خلال العام الاول من تطبيق القانون، حُكِمَ بالسجن 15 عاما على المحامي والناشط الحقوقي وليد ابو الخير، ومن التهم التي وُجهت اليه، السعي لنزع الولاية الشرعية، الإساءة للنظام العام في الدولة، تأليب الرأي العام، وتشويه سمعة المملكة باستعداء المنظمات الدولية ضدها. وفي الفترة نفسها تم تغليظ الحكم الصادر بحق المدون رائف بدوي  من السجن 7 سنوات و600 جلدة الى السجن 10 سنوات وألف جلدة، وذلك بعد اتهامه بالإساءة للدين الاسلامي، إثر انتقاداته لممارسات هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كذلك جرى منع عدد من الكتاب من التغريد عبر تويتر، فضلاً عن منع من السفر لآخرين. وفي مارس 2014، صادقت محكمة الاستئناف على الحكم الصادر من المحكمة الجزائية المتخصصة بسجن المغرد السعودي مهند المحيميد 8 سنوات بتهمة إرسال تغريدات في موقع تويتر تحرض على التظاهر والاعتصامات إضافة إلى اتهامه بالسخرية من ولاة الأمر والعلماء في المملكة والتشكيك في نزاهتهم.
مع تسلم الملك سلمان الحكم في يناير 2015، ارتفعت حدة القمع في المملكة، وعلى نقيض سلفه عبد الله، الذي قامت سياسته على استخدام العصا والجزرة، لتأمين الاستقرار لحكمه وتجنب السخط الشعبي، استهلّ سلمان عهده بحملة اعدامات جماعية شملت احد أبرز وجوه انتفاضة الحراك المطلبي في القطيف وهو الشيخ نمر النمر.
لم يكتفِ سلمان بمعاقبة المعارضين فقط، وامتد القمع ليشمل الكتاب الموالين للنظام، وبعض رجال الدين من المؤسسة الوهابية التي ترعاها الدولة. ومن هؤلاء الشيخ عبد العزيز الطريفي، الذي اعتقل في أبريل الماضي، بسبب تغريدة انتقد فيها قرار الحكومة تنظيم هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكان الطريفي نشر تغريدة انتقد فيها تقييد صلاحيات الهيئة، وغمز من قناة ولي ولي العهد محمد بن سلمان قائلاً: يظن بعض الحكام أن تنازله عن بعض دينه إرضاء للكفار سيوقف ضغوطهم، وكلما نزل درجة دفعوه أُخرى، الثبات واحد والضغط واحد فغايتهم  "حتى تتبع ملتهم".
حتى التغريد في الشأن الاقتصادي بما لا يتوافق مع سياسات محمد بن سلمان الاقتصادية ضمن ما أطلق عليها تسمية "رؤية المملكة 2030"، بات ممنوعاً، وفي هذا الاطار لوحظ توقُّف عدد من الكتاب البارزين في هذا الشأن عن التغريد في موقع تويتر او نشر مقالاتهم في الصحف المحلية.
الكاتب المتخصص بالشأن الاقتصادي برجس البرجس، من أولئك الذين تعرضوا لضغوطات، نتيجة مقالاته التي كان حذر فيها من تدهور الأوضاع الاقتصادية في المملكة، ومن مخاطر السياسات الاقتصادية للحكومة. وبحسب المعلومات، فهو ممنوع من النشر في الصحف المحلية، كما انه ممنوع من التغريد بما لا يتوافق مع توجهات "رؤية 2030". 
الجدير بالذكر أنّه نشر في 14 يوليو مقالاً في صحيفة الوطن بعنوان "عين ماكنزي ورفاقه على ربع تريليون ريال"، انتقد فيه توجه الحكومة السعودية للاستعانة بمؤسسة ماكنزي الاستشارية، بدلاً من تأسيس الدولة لشركات وطنية تقوم بتقديم بعض الاستشارات الإدارية والمالية.  
جمال خاشقجي، الكاتب ومدير عام قناة العرب المملوكة للامير الوليد بن طلال، مُنع هو الآخر من الظهور الإعلامي أو نشر كتاباته في صحيفة الحياة، أما السبب فكان تصريحات أدلى بها خلال  ندوة لـمعهد واشنطن للدراسات يوم الجمعة 18 نوفمبر، وأعرب فيها عن قلقٍ سعودي من وصول الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب الى البيت الأبيض، وهو الأمر الذي دفع وزارة الخارجية السعودية الى إصدار بيان على لسان مصدر مسؤول، تنفي فيه ارتباط خاشقجي بها، أو أن يكون كلامه مُعَبراً عن الموقف الرسمي للمملكة.
الإخفاء القسري عن وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، امتد ليطال اخيراً  الكاتب والباحث طراد العمري، وذلك بعد مقاله الذي نشره موقع بوابة مصر الإلكتروني، بعنوان "المملكة تبقى او لا تبقى"، وقد تمت إزالته من الموقع في وقتٍ لاحق.
هذا المقال كان العمري حذر فيه من خطر محدق يتهددُ الدولة السعودية، نتيجة غياب الرضا الشعبي وفقدان الثقة بين الحكومة والمجتمع، وختمه بالتأكيد على ولائه لآل سعود، محذراً إياهم أنه في حال حصول اضطرابات في البلاد فإن شركات الاستشارات الغربية لن تكترث بما يجري، في إشارة لالتزام الحكومة السعودية بتوصيات هذه المؤسسات وعلى رأسها ماكينزي.
وعقب نشر هذا المقال، سرت معلومات تفيد بأن العمري مُنعَ من الكتابة والنشر في الصحف والمواقع الإلكترونية وكذلك التغريد عبر تويتر. ودشّن نشطاء هاشتاغ بعنوان "أين طراد العمري" عبروا فيه عن تضامنهم مع الكاتب الذي اعتبروه لامَس بكتاباته أوجاع وهموم المواطن. 
وفي سياق متصل، أعفي الكاتب محمد علي المحمود من الكتابة في صحيفة الرياض، وهو الذي كان يمتلك قلماً شجاعاً، ولطالما أبرَز مساوئَ الفكر الوهابي ومسؤوليته عن التطرف والإرهاب.
ولن تكون إجراءات منعِ هؤلاء الكتاب الأخيرة في مسلسل قمع الأصوات المعارِضَة أو المُنتقِدة، وهو ما يدلُّ على ضيق صدر الحكم من أية وجهة نظر أو صوتٍ قد ينتقد مشروعاً او قراراً حتى لو كان آتياً من شخصيات أعلنت ولاءها للحكم لكنها تتكلم من باب الخوف على مصلحة مملكة السيف والصمت.

المصدر: شاهد نيوز

كل مقالات الرأي المنشورة في الموقع تعبر عن وجهات نظر كتابها، دون أدنى مسؤولية على إدارة الموقع

التعليقات