آخر الأخبار

هكذا عاش القنطار.. هكذا لم يمت

آخر تحديث: 02 كانون الثاني , 2017 - 22:42

هكذا عاش القنطار.. هكذا لم يمت

لم يكن سمير القنطار مجرد شاب قرر في لحظة مبكرة من عمره الصغير أن يمتشق سلاحاً ويقف أمام خارطة لفلسطين مستعداً لخوض البحر نحوها وتنفيذ عملية داخلها، ولا كان مجرد أسير فلسطيني تعرّض للتعذيب كحال عشرات آلاف الأسرى الذين خبروا الاعتقال وقضى ما يفترض أنه أجمل سنوات العمر بين جدران الزنازين الإسرائيلية، ولا هو ذاك الأسير المحرر الذي قرر يوم خروجه إلى الحرية أن يكمل الطريق من حيث بدأها. 

هذه المحطات بظروفها المختلفة الممتدة من نيسان/ أبريل عام 1979 يوم نفّذ عمليته الشهيرة في نهاريا إلى 19 كانون الأول/ ديسمبر عام 2015 تاريخ استشهاده في سوريا، جعلت من سمير القنطار تجسيداً واقعياً وعملياً لفكرة المقاومة بأوجهها المختلفة.

محطات تستعيدها الميادين بأسلوب يكسر القالب التقليدي الذي قدّمت فيه سيرة ومسيرة سمير القنطار، ضمن وثائقي يعرض في أجواء الذكرى الأولى لاستشهاده ويتضمن مقتطفات حصرية من مقاطع فيديو تصل مدتها إلى 35 ساعة كان سمير القنطار قد صوّرها على مدى شهرين دون أن تعرض. "القنطار" سلسلة وثائقية من ثلاثة أجزاء يحاكي كل منها مرحلة زمنية جسدت مسيرة نضال المقاوم والأسير ثم المحرر فالشهيد.

"إلى نهاريا" هي المحطة الأولى في الوثائقي الذي يبدأ عرضه في 8 كانون الثاني/ يناير الجاري. في هذا الجزء تذهب كاميرا الميادين إلى  عبيه في جبل لبنان. هناك حيث كانت البداية من لبنان المناصر لقضية فلسطين التي أحبّها  متأثراً بأستاذه في المدرسة الذي كان يوقف شرح الدرس للحديث عنها. يحكي هذا الجزء نشأة سمير من نعومة أظفاره إلى حين حمله السلاح وإبحاره إلى نهاريا ذات يوم فداء، مروراً بتأثير البيت والمحيط الذي كان يتصدره الزعيم الراحل جمال عبد الناصر والجو العام المرافق الذي واكب سمير وتفوق فيه على نفسه وجيله مرسخاً نفسه في سني الصبا قائداً لعملية "نهاريا".  

"العميد"


ما يقارب ثلاثة عقود أمضاها سمير القنطار في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بما يتجاوز سني حياته خارجها، مما جعله "عميداً للأسرى" ولاحقاً عميداً للأسرى المحررين. الجزء الثاني يسلط الضوء على هذه المحطة الأساسية التي تبدأ برفض سمير الاعتذار مجاهراً بأحقية قضيته، لتنطلق بعدها رحلة ممزوجة بالكثير من الألم والقسوة والنضال الذي توّج بإنجازات للحركة الأسيرة حملت بصماته. يضيء الجزء الثاني أو "العميد" على الحركة الأسيرة التي كان سمير من مؤسسيها ومرسّخي أطرها. 

في ذلك الأسر حيث لم ير سمير إلّا فضاء يستطيع من خلاله كسر سجانه وإبدال الأدوار من خلال فرض سياسة التصدي لأي محاولة لنزع صبغة وصفة المقاومة عن أي أسير في سجون العدو .في ذلك الأسر أيضاً نسج القنطار علاقات مع رفاق النضال ومع والدة روحية هي أم جبر وشاح بكته بحرقة يوم تلقت نبأ استشهاده. وفي ذلك المكان تمكّن الأسير من أسر سجّانه. هذا ما حصل ليامن زيدان، السجّان أو الجندي في الجيش الإسرائيلي الذي جعله سمير القنطار يعود إلى ذاته وهويته الفلسطينية ليقرر إكمال دراسته متخصصاً في مجال الحقوق ومن ثم ليستقيل من الجيش الإسرائيلي ويعرض على القنطار أن يتولى الدفاع عنه في المحاكم الإسرائيلية. 

في هذا الجزء من الوثائقي يروي زيدان الذي بات اليوم محامي الأسرى العلاقة مع سمير القنطار الذي لطالما أكد أن تحريره مرهون بفوهات بنادق المقاومين وليس باستجداء رحمة سجانه. وهكذا كان، تحرّر سمير القنطار في تموز/ يوليو من العام 2008 رافضاً لباس الذل الذي فرضه عليه الإسرائيلي يوم تحرره حتى لو كان ذلك سيكلفه إلغاء عملية التبادل.    

"أبو علي"


ثماني سنوات هي التي أمضاها سمير القنطار خارج الأسر. بدا كمن يسابق الزمن في اللحاق بمحطات الحياة التي يعيشها أي إنسان عادي. تزوج وأسس عائلة وأنجب عليّ ومجدداً اتخذ خياراً حاسماً، ألا وهو إكمال الطريق من حيث توقف قبل ثلاثين عاماً وهو الذي قال يوم تحرّر مرتدياً زيّه العسكري "إنه لم يغادر فلسطين إلا ليعود إليها"، فكان له ما أراد، وكانت الجولان المحطة الرئيسية التي عمل القنطار على التأسيس لمقاومة شعبية فيها. الجزء الثالث الذي يلخّص هذه المرحلة حمل عنوان "أبو علي" وكان التحدي الأكبر بالنسبة لمعدةّ الوثائقي ومنتجته التنفيذية الزميلة زينب برجاوي التي اقترنت بالقنطار بعد سنة من إطلاق سراحه.  

تقول "في هذا الجزء تطرقنا إلى ما قبل الخط الأحمر بقليل لوجود الكثير من الأمور التي لا يمكن التطرق اليها ربطاً بهذا الدور بما يحمله من أبعاد استراتيجية وما يتعلق بهذه الجبهة" مضيفة إن "الوثائقي يكشف جوانب باعتراف الإسرائيلي وما أفصحت عنه قيادة المقاومة".

تشير إلى أن "سبعة وثلاثين شخصية من بينها رؤساء سابقون وقياديون في المقاومة ورفاق ومناضلون عرفوا سمير القنطار في مراحل حياته المختلفة، تتحدث ضمن الوثائقي" الذي تتولى إخراجه الزميلة يارا أبو حيدر. 

التحدي بالنسبة ليارا كان يكمن في تقديم عمل يشبه القنطار ببساطته وعفويته البعيدة عن أي زخرفة واستعراض وإبهار من أجل الظهور. تقول أبو حيدر "حاولت قدر الإمكان أن أركز على روح الأشياء أكثر من الأمور المباشرة وواقعيتها لجهة الصور وخيار أماكن التصوير وكيفية التعبير بالرمزية أحياناً" لتجسيد ما هو أبعد من الشخص، وفي حالة "القنطار" الفكرة هي المقاومة هكذا بكل تجرّد وبساطة.  

المصدر: الميادين

التعليقات