آخر الأخبار

أرباح الهندسة المالية: تعددت الإستعمالات والمستفيد واحد

آخر تحديث: 10 كانون الثاني , 2017 - 01:05

أرباح الهندسة المالية: تعددت الإستعمالات والمستفيد واحد

 تسعى المصارف إلى تحرير الأرباح الاستثنائية التي حققتها بين أيار وكانون الأول من العام الماضي، في إطار العمليات التي نفّذها مصرف لبنان تحت اسم «الهندسة المالية». هذه الأرباح «غير نمطيّة»، بحسب تعبير المدير المالي والاستراتيجي في بنك عوده، فريدي باز، فرضت على مصرف لبنان تنظيمها «من أجل حماية المصارف من استنسابية استعمالها»، وقد صدرت مجموعة من التعاميم، على مراحل، تحدد طرق استعمالها، من أجل تكوين مؤونات ومتطلبات دولية، من دون أن تسمح بتوزيع الفائض على المساهمين حتى الآن.
 
لم يعد النقاش بين المصرفيين قائماً حول طبيعة العمليات المالية التي نفّذها مصرف لبنان خلال السنة الماضية باسم "الهندسة المالية"، تراجع الحديث عن المستفيدين وحصصهم ومدى الحاجة الى هذا النوع من العمليات وكلفتها، وحل محله نقاش يدور حول كيفية توزيع الأرباح الناتجة من هذه العمليات، والتي تقدّر بأكثر من 5 مليارات دولار. إذ تضغط بعض المصارف على حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، من أجل تعديل تعاميمه المتعلقة بهذا الجانب، بما يسمح بتوزيع قسم من هذه الأرباح على المساهمين.
 
من جهته، لم يحسم حاكم مصرف لبنان نهائياً وجهة استعمالات هذه الأرباح، إذ صدرت ثلاثة تعاميم خلال الأشهر الستة الأخيرة من عام 2016، وتدرجت عبرها الأولويات، من حصر الاستعمالات في تطبيق المعيار الدولي رقم 9 القاضي بتكوين مؤونات إجمالية إلى إطفاء خسائر استثمارية للمصارف خارج لبنان، وإطفاء أعباء ناجمة عن عمليات دمج، وصولاً الى إمكانية تخصيص 70% منه في حساب الأرباح من دون إمكانية توزيعه على المساهمين قريباً... وهو ما فسّره مصرفيون بأنه مقدمة لتحرير جزء من هذه الأرباح والسماح بتوزيعها على المساهمين.
 
أرباح غير نمطيّة
 
حتى نهاية 2016، حقّقت المصارف وكبار مودعيها أرباحاً إجمالية من العمليات المالية مع مصرف لبنان، المسماة «هندسات»، بقيمة تزيد على 5 مليارات دولار. وفق تقديرات المصرفيين، إن حصّة المصارف من هذه الأرباح تزيد على 3.5 مليارات دولار، وهو مبلغ يضاف إلى الأرباح العادية التي حققتها المصارف في 2016 من تسليف الزبائن والعمولات وتوظيف الأموال في الدين العام وشهادات الإيداع وسواها، والمقدّرة بأكثر من مليارَي دولار لعام 2016، أي أن الأرباح الإجمالية تقدّر بأكثر من 5.5 مليارات دولار.
إزاء هذا المستوى «غير النمطي» من الأرباح، برزت تساؤلات واسعة لدى وكالات التصنيف الدولية ومصارف المراسلة عن كيفية احتساب الأرباح في ميزانية المصارف. الإجابة عن هذه الاسئلة لم تكن كافية في البدء عندما أصدر مصرف لبنان التعميم 428 في 25 حزيران 2016، إذ تضمن مادة واحدة تشير إلى أن «على المصارف أن تكوّن مؤونات بالليرة اللبنانية تحتسب ضمن الأموال الخاصة المساندة بما يوازي قيمة الفائض الناتج من عمليات بيع أدوات مالية سيادية بالليرة اللبنانية وشراء، تلازماً، أدوات مالية بالعملات الأجنبية وذلك تحضيراً لمتطلبات المعيار الدولي للتقارير المالية رقم IFRS9 التي تسري اعتباراً من تاريخ 1 كانون الثاني 2018. وإذا كانت المؤونة المكوّنة تفوق، وفقاً لاحتساب المصرف، المتطلبات المفروضة بموجب المعيار الدولي، يتعيّن على المصرف المعني الحصول على موافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان لتحرير هذا الفائض من المؤونة».
 
درّج في الأولويات
 
استمرّ العمل بهذا التعميم حتى 8 تشرين الثاني 2016 عندما أصدر مصرف لبنان تعميماً ثانياً يستبدل الأول بالآتي:
ــ على المصارف أن تسجّل الفائض الناتج من عمليات بيع أدوات مالية سيادية بالليرة اللبنانية وشراء، بصورة آنية ومتلازمة، أدوات مالية بالعملات الأجنبية ضمن بند مطلوبات آجلة تحتسب ضمن الأموال الخاصة المساندة.
ــ على المصارف استعمال الفائض المحقق تدريجياً على فترة أقلها ثلاث سنوات بدءاً من العام الجاري لتأمين: متطلبات المؤونات الإجمالية، ومتطلبات نسب الملاءة، وأي متطلبات إضافية قد تنتج من تطبيق المعيار الدولي IFRS9.
ــ في حال استمرار وجود فائض بعد تأمين المتطلبات هذه، يتعيّن على المصرف المعني الحصول على موافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان لتحرير الفرق بعد استطلاع رأي لجنة الرقابة على المصارف التي تقوم بدراسة الوضع المالي للمصرف المعني كما هو في نهاية 2017.
التعميم الثالث
 
رغم ذلك، لم يكتمل المشهد المتصل بكيفية احتساب وتوزيع الأرباح الناتجة من الهندسات. ففي 30 كانون الأول 2016، أصدر مصرف لبنان تعميماً ثالثاً بهذا الخصوص حدّد أوجه استعمال الأرباح الناتجة من الهندسات في إطار تلبية متطلبات المؤونة الإجمالية بالليرة اللبنانية المفروضة على المصارف، ومتطلبات نسبة الملاءة، ومتطلبات المعيار الدولي، بالإضافة إلى «تكوين مؤونة بالليرة اللبنانية لمواجهة تدني مساهمات في الخارج»، و«مؤونة بالليرة اللبنانية لمواجهة تدني قيمة الشهرة الناتجة من عمليات الدمج». ثم خلص التعميم إلى طريقة توزيع الفائض وفق الآتي: في حال استمرار وجود فائض بعد تأمين هذه المتطلبات، يمكن تحرير ما لا يزيد على 70% من الفرق وتسجيله في حساب الأرباح والخسائر كأرباح غير قابلة للتوزيع قبل تخصيصه وفقاً للحالة، كاحتياطي لزيادة رأس المال يحتسب ضمن فئة حقوق حملة الأسهم العادية».
 
إطار تنظيمي
 
يفسّر عضو مجلس إدارة جمعية المصارف والمدير المالي والاستراتيجي في بنك عوده، فريدي باز، هذا التعميم بالإشارة إلى أنه «يضع إطاراً تنظيمياً للأرباح الناتجة من الهندسات. هي أرباح استثنائية غير نمطيّة لا يمكن التعامل معها بشكل مماثل للأرباح النمطية، بل يجب ألا يخلق هذا الأمر أي لغط في القطاع ويترك المجال مفتوحاً أمام استعمالات استنسابية، وأن ينسجم مع المنطق المالي العام في اتجاه تعزيز بنية المصارف المالية». برأي باز، لا يمكن النظر إلى نتائج الهندسات المنفّذة في ظل ظروف استثنائية، في سياق مختلف عن كونها إجراءات احترازية تستهدف تقوية البنية المؤسّساتية للمصارف. في هذا الإطار، أصدر مصرف لبنان التعاميم المتعلقة بتوزيع الأرباح الناجمة عن الهندسات. التعميم الأخير الرقم 446 يفرض على المصارف خطوات أساسية ومهمّة لتعزيز بنيتها المالية، أبرزها تطبيق المعيار الدولي IFRS9 بما يتطلبه من حسابات تقنية في ميزانيات المصارف؛ من ضمنها تكوين مؤونات نسبتها 2% من قيمة محفظة التسليفات وفق وزن الخطر الذي تشكّله على الأصول. ويشير باز إلى أن «هذه المؤونات هي من أعلى النسب في العالم». بعد هذه الخطوة، إذا تبقى هناك أي فائض من أرباح الهندسات، فإنه يجب استخدامه في إطار تلبية نسب الملاءة المفروض على القطاع المصرفي تطبيقها اعتباراً من أول 2018. «معدّل الملاءة الواجب تطبيقها يبلغ 15%. الوصول إلى هذا المستوى يعزّز بنية القطاع المصرفي ويجعل القطاع في لبنان سباقاً في تطبيق معدلات الملاءة المطلوبة في اجتماعات بازل 3».
 
إطفاء خسائر
 
الخطوة التالية في حال استمرار وجود فائض تكمن في «احتساب قيمة الاستثمارات في الخارج، ولا سيما في السودان وسوريا. أي تدنّي في القيمة الدفترية لهذه الاستثمارات، وهو تدنّ ناجم عن انخفاض سعر العملة في البلدان التي استثمرت المصارف فيها، يفرض على المصارف اعتبارها خسائر يجب إطفاؤها في هذه المرحلة على الأقل». كذلك يجب إطفاء «خسائر الشهرة الناتجة من عمليات الدمج. فعلى سبيل المثال، إن المصارف التي اشترت مصارف أخرى ودمجتها، دفعت مبالغ معيّنة لقاء هذا الأمر، فيما يمكن أن تصبح قيمة هذه الشهرة اليوم أقل من قيمة الاستثمارات الموظّفة في عملية الشراء، وبالتالي يجب اعتبار الفرق خسائر وإطفاؤها. الإيجابي في هذه الخطوة أنها تفرض على المصارف القيام باختبارات الضغط المتأتية من احتساب الشهرة، حتى لا يحتسب الفرق بين كلفة الاستثمار وقيمة الشهرة ضمن الأعباء في ميزانيات المصارف».
ويشير باز إلى أنه «بعد كل هذه المحطات، أتاح مصرف لبنان للمصارف احتساب 70% من الفائض في حساب الأرباح والخسائر من دون أن يسمح بتوزيع هذا المبلغ على المساهمين. وفرض أيضاً إبقاء 30% من الأرباح مؤجلة للسنوات المقبلة، على أن تحتسب ضمن رأس المال النظامي... هذا التعميم يهدف إلى تعزيز بنية المؤسسات المصرفية وتقوية ميزانياتها، ويضعها في مستوى الأولوية على بنية المساهمين المالية. كان من الضروري أن يضع مصرف لبنان هذه الإجراءات التنظيمية من أجل عدم ترك مجال للاستنسابية وحصول لغط في كيفية استعمال الأرباح الناتجة من هذه الهندسات».

المصدر: محمد وهبة_الأخبار

التعليقات