تتمنّع المؤسسات العامة في لبنان عن دفع متوجباتها لصندوق الضمان الاجتماعي ما راكم عليها ديوناً تقدر بمئات مليارات الدولارات. القيمة الحقيقية لهذه الديون تبقى غير معروفة بسبب الخلط في تعريف المؤسسات العامة، ويعدما تبيّن أن هناك مؤسسات خاصة مدرجة ضمن هذا التصنيف!

على مدى سنوات، برزت مشكلتان بين الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمؤسسات العامة. من جهة، لم تكن هذه المؤسسات تسدّد ما يتوجب عليها من ديون رغم اقتطاعها مبالغ من رواتب الموظفين بحجّة تسديد هذه المتوجبات. ومن جهة أخرى، كان الصندوق يسجّل ديوناً غير دقيقة على المؤسسات لعدم وجود توصيف دقيق لها، ما يؤدي الى الخلط بينها وبين الإدارات العامة وشركات القطاع الخاص المنشأة بموجب قوانين صادرة عن المجلس النيابي.
قصة ديون الصندوق على المؤسسات العامة قديمة. إذ أن عدداً قليلاً منها فقط كان يستفيد من القوانين التي صدرت لتقسيط الديون ويصرّح عن ديونه، بينما امتنعت غالبيتها، طوال سنوات، عن تسديد المتوجبات للصندوق. وفي عام 2006 وصل المبلغ المتراكم على هذه المؤسسات، وأبرزها مؤسسة كهرباء لبنان وتلفزيون لبنان والجامعة اللبنانية، الى 400 مليار ليرة. وتبيّن أن هناك 67 مؤسسة عامة لا ترصد الاعتمادات اللازمة في موازناتها لتسديد الاشتراكات المستحقّة عن الأجراء العاملين فيها بتواريخ استحقاقها، وأن بينها من لا يصرّح عن أجور الموظفين أصلاً، ما دفع إدارة الضمان إلى مراسلة وزير المال في حينه، جهاد أزعور، طالبة منه مساعدتها لرصد الاعتمادات. كما تبيّن أن بعض المؤسسات العامة كانت تجبي الاشتراكات (2% من رواتب الموظفين) وتحتفظ بها من دون وجه حق، فضلاً عن وجود عدد كبير من الموظفين الرسميين على لوائحها غير مصرّح عن أجورهم للصندوق. وقد وجهت إدارة الضمان، قبل سنوات، إنذارات لهذه المؤسسات بوجوب التصريح عن الموظفين وتسديد الاشتراكات المقتطعة، لأن الاحتفاظ بالأموال والاستفادة منها يعرض الشخص المسؤول عن هذا الأمر لعقوبة السجن.
عند هذا الحدّ كان السجال يتعلق بكيفية إجبار المؤسسات العامة على التسديد، قبل أن يثار الأمر مجدداً في مجلس إدارة الضمان مطلع السنة الجارية. فقد تبيّن أن القانون الذي يطبق على القطاع الخاص لدى التهرب من تسديد الاشتراكات ومن كتمان التصريح عن أجور الموظفين غير قابل للتطبيق على المؤسسات العامة. ففي حالة القطاع الخاص، يمكن بحسب قانون الضمان ملاحقة الشركات والمؤسسات التي تمتنع عن التسديد أو التصريح عبر توجيه كتب إنذار اليها، يليها إصدار بيانات دين تحال إلى مصلحة القضايا في الصندوق حيث ترفع دعاوى وتصدر أحكام يمكن بموجبها حجز أملاك المخالفين وبيعها بالمزاد العلني.

وخلص مجلس الإدارة إلى أنه لا يمكن تنفيذ هذه الملاحقات على المؤسسات العامة، لاستناد لوائح الضمان التي تحدّد هذه المؤسسات إلى مفاهيم قانونية خاطئة. لذلك، تقرّرت مراسلة مجلس الخدمة المدنية وإحالة الملف إلى اللجنة الفنية في الصندوق بهدف تحديد المؤسسات العامة ودرس حساباتها في مصلحة الاشتراكات في الصندوق لتحديد قيمة المبالغ المتوجبة عليها بصورة دقيقة وتفصيلية.
وعلى هذا الأساس، أصدر رئيس اللجنة الفنية في الصندوق سمير عون رأياً يوضح فيه عناصر المتوجبات على هذه المؤسسات، على النحو الآتي:
 مساهمة سنوية بنسبة 25% من تقديمات صندوق المرض والأمومة.
 مساهمة سنوية بنسبة 25% من تقديمات قسم المضمونين الاختياريين.
 مساهمة بنسبة 80% من اشتراكات المخاتير لفرع ضمان المرض والأمومة.
 المساهمة في اشتراكات السائقين المالكين لفرعي ضمان المرض والأمومة تحتسب على أساس 6.25% x ضعفي الحد الأدنى للأجور بناء على الاشتراكات المسددة لفرع المرض الأمومة، وبنسبة 3.25% x ضعفي الحد الأدنى للأجور بناء على الاشتراكات المسددة لفرع التعويضات العائلية.
 الاشتراكات المتوجبة عن أجراء الدولة المصرح عنهم للصندوق.
 المساهمة بنسبة 1% من الاشتراكات المتوجبة لقسم المضمونين المتقاعدين.
 التسويات المتوجبة لتعويض نهاية الخدمة عن أجراء الدولة.
ولفت عون إلى أن إدارة الضمان أغفلت من عناصر المتوجبات قيمة الفوائد المترتبة على الديون المتوجبة، فضلاً عن أن لوائح الضمان تتضمّن 19 مؤسسة خاصة كمؤسسات عامة «وهو ما يعتبر خطأ جسيماً وضاراً»، انطلاقاً من التعريف المحدّد في القانون للمؤسسات العامة على أساس المعايير الآتية:
 مؤسسات عامة منشأة بموجب قوانين ومراسيم.
 مؤسسات عرّف طبيعتها المرسوم رقم 4517 في مادته الثانية التي تشير إلى أنه «تعتبر مؤسسات عامة بمقتضى أحكام هذا المرسوم، المؤسسات العامة التي تتولى مرفقاً عاماً وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلالين المالي والإداري». وفي مادته الثالثة ينص على أنه «تنشأ المؤسات العامة وتدمج وتلغى بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء. يتضمن نص إنشاء المؤسسة العامة تحديد نوعها وغايتها ومهمتها ومركز ونطاق عملها والوسائل الفنية والإدارية والمالية اللازمة لها. كما يتضمن ربطها حسب طبيعة أعمالها بإحدى الوزارات التي تمارس الوصاية الإدارية عليها، ولهذه الغاية تعين الوزارة التي تمارس سلطة الوصاية الإدارة مفوضاً للحكومة لدى المؤسسة العامة».

المصدر: جريدة الأخبار - محمد وهبة