ظاهرتان لافتتان للعيان، تعكسان الذهنية والسلوك الإسرائيلي، ترافقتا مع جريمة اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة برصاص قوات الاحتلال في الحادي عشر من أيار/مايو الماضي، على مدخل مخيم جنين شمال الضفة المحتلة، في أثناء قيامها بواجبها الصحافي.

الأولى، تكمن في الاستخفاف الذي تعاملت به قوات الاحتلال، من خلال البيان الأول للناطق باسم جيش الاحتلال، والذي جاء بعد دقائق من إعلان استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة، وحاول من خلاله إلصاق التهمة بالمقاتلين الفلسطينيين الذين كانوا يتصدون للاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين؛ أما الثانية فتكمن في التلاعب وتعدُّد الروايات وتعديلها، المرة تلو الأُخرى، بعد اتضاح حجم الحدث وضخامته، كما الأبعاد الإنسانية والدولية التي اتخذها.

كلتا الظاهرتين متلازمة وجذورها عميقة في الثقافة السياسية والأمنية والأيديولوجية لدى المؤسسة الإسرائيلية، بغض النظر عن الأشخاص الموجودين في سدّة الحكم ومواقع المسؤولية والقائمين عليها، لا تتغير بتغيُّر الحكومة أو تبديل رئيسها.

الأولى تعكس النظرة المتعالية التي تنظر بدونية إلى الآخر-غير اليهودي كما يسمّونه - الواقع تحت الاحتلال، وتعتبر أن قتله، سواء كان ذلك مقصوداً، أو عن طريق الخطأ، لا يستدعي أكثر من بيان توضيحي وإشارة إلى تحقيق يعمل على صوغه ضابط مبتدئ، ويلقي به في وجه الإعلام، على أنه هو الحقيقة، أو تحقيق شكلي داخلي ينتهي بتفسير القتل والظروف المعقدة والمعادية التي يعمل بها الجنود، واستحالة عدم وقوع " أضرار جانبية" ما يبقي المسؤوليتها فردية، في ظروف مركّبة.

ينبع جذر هذه النظرة من عقلية المستوطن الذي يغذي نفسه على خطابه، ولا يقيم أي وزن للآخر، ويفترض أن على العالم كله أن يصدقه.

أما التلاعب بالروايات، فيهدف إلى تعويم الجريمة وإلقاء ظلال من الشك حول الجهة التي تقف خلفها، وبصورة خاصة بعد التغطية الهائلة التي أعقبتها. وهنا، أدّت ردة الفعل المصدومة من هولها، وتحوُّلها إلى حدث عالمي، إلى إعادة صوغ الرواية على نحو أكثر تماسكاً. وهو ما يعكس حالة من الغطرسة والغرور، واستعداداً إسرائيلياً لقول أي شيء ما عدا الحقيقة، بناءً على فرضية أن وسائل الإعلام الناطقة باللغات الأجنبية الرئيسية، مردوعة مسبقاً عن إدانتها، وسوف تظل تبحث عن صيغة محايدة تحقق شكلاً من التوازن بين المجرم والضحية.

بهذا السلوك، وعلى مدار عقود، استطاعت إسرائيل أن تبني جداراً حديدياً، وأن تنصّبه سداً منيعاً غير قابل للاختراق أمام الإعلام العالمي والمنظمات الحقوقية والمؤسسات الدولية والرأي العام. وفي الوقت ذاته، أن تكرس انطباعاً قوياً يفيد بأنها، ومن موقع احتكارها لدور الضحية بسبب تاريخ اليهود في العالم الغربي، مستغلةً نفوذها، وقوة خطابها الإعلامي، وأدواتها المتنوعة، والميزانيات الضخمة التي ترصدها، لاستمالة أو ترهيب وسائل الإعلام العالمية، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واللوبيهات المؤثرة في العواصم العالمية الكبرى.

كل ذلك جعلها محصّنة من الإدانة والمحاسبة، أو في أسوأ الأحوال، وعندما لا يكون سلوكها مبرراً وقابلاً للتفسير، تستخرج ذخيرتها الاستراتيجية الكامنة في الزجّ بسرديتها (مظلوميتها التاريخية) التي ينبغي للعالم أخذها دوماً بعين الاعتبار والتعامل معها كخلفية مخفّفة ومبرّرة تسوِّغ بشاعة جرائمها. وبكلمات أُخرى: استغلال موقع الضحية التاريخي، لطمس روح الضحية الحالية. 

الجدار الحديدي
فكرة الجدار الحديدي، المستوحاة من فكر وتنظيرات زئيف جابوتنسكي، قائد التيار الإصلاحي في الحركة الصهيونية (المنبع الفكري والأيديولوجي لحزب الليكود وغيره من اليمين القومي)، والذي يتم تشييده بالقوة ومراكمة عوامل الردع، إلى درجة تسليم الخصم مسبقاً باستحالة إلحاق هزيمة عسكرية بإسرائيل، وهو ما يمهّد للاعتراف بوجودها وتقبُّله، امتد عبر أدوات شيطنة الآخر، والترويع الإعلامي، والنفوذ الدولي، وشركات العلاقات العامة، إلى مجال الإعلام وتهيُّبه من إدانة إسرائيل على جرائمها، مهما بدت واضحة، حتى ولو كانت ضد الصحافيين أو المواطنين العزّل من نساء وأطفال وسائر فئات المدنيين. وتوخّي الحذر عند الحديث عنها، وتبنّي مصطلحاتها وروايتها، وهو ما قادها إلى هذا الاستخفاف وتأليف روايات والتراجع عنها، أو تعديلها، من دون أدنى رقابة.

هذا الجدار ينتصب أمامنا، ونلمس أثره في التعامل الدولي ومحاولات تجريم قادة الاحتلال ومقاضاتهم في المؤسسات الدولية، لدرجة أن أصحاب القضية باتوا يشككون في إمكانية محاكمة قادة دولة الاحتلال، وبدأوا يُظهرون علامات الاستسلام مسبقاً، ويعتبرون أن هذه المعركة محسومة سلفاً لمصلحة إسرائيل.

سبب التعنت الإسرائيلي، وتشييد هذا الجدار الحديدي في وجه كل مَن ينتقد الاحتلال وممارساته، أو يحاول أن يشق طريقاً يفضي إلى إدانة إسرائيل ومحاكمة قادتها، يعود إلى حالة عدم الثقة والضعف التي يعيشها قادتها. وهي حالة لا تتيح لهم التراخي، حتى في أكثر القضايا هامشية، أو التساهل في إصدار بيان، مجرد بيان إدانة من مؤسسة دولية هامشية.

فكما أن على جيشها إبقاء يده على الزناد لحماية وجوده غير الشرعي، وصيانة الجدار الحديدي، بين الحين والآخر كلما ظهر عدو جديد، كذلك هي الحال فيما يتعلق بالساحة الإعلامية والقانونية التي تدار بها المنازلة على قاعدة صفرية (كل شيء، أو لا شيء)، والتي ستكون فيها الخسارة لأول مرة هي آخر خسارة، لأنها ستُحدث ثغرة في الجدار الحديدي، الشرعية الدولية وشرعية الرواية، وستؤدي إلى انهياره كلياً، وانهيار سرديتها المؤسِّسة لوجودها معه. ومن هنا، تشكّل المعركة الرواية امتداداً للمعركة على أرض المخيم.

ماذا خلف هستيريا قمع المشيعين؟
غني عن القول إن الهستيريا وفائض القوة والقمع غير المسبوق، الذي تعاملت به قوات حرس الحدود وشرطة الاحتلال مع موكب تشييع جثمان الصحافية شيرين أبو عاقلة في القدس المحتلة، والذي تخلله اعتداء على التابوت الذي يحمل نعشها والمشيعين، واقتحام المستشفى الفرنسي والمقبرة، لا يأتي متناسباً مع الحدث. وشكّل فضيحة من العيار الثقيل، مسّت بصورة إسرائيل بشكل عميق لدى الرأي العام الدولي الذي كان يتابع الحدث عن كثب، عبر عشرات وسائل الإعلام الدولية، وبحضور عدد كبير من الدبلوماسيين.

القناة الثانية عشرة، اعتبرت أن الضرر الذي لحق بصورة إسرائيل خلال قمعها وتنكيلها بالمشيعين، الذين جاؤوا بشكل سلمي، للتعبير عن حزن عميق وصادق تجاه الفقيدة، ورغبة حقيقية وإنسانية في مرافقتها إلى مثواها الأخير، وإلقاء نظرة الوداع عليها، أفقد إسرائيل التعاطف الدولي الذي راكمته عبر شهور، من خلال استثمار العمليات التي وقعت في مدن الداخل، وفق تعبير القناة. هذه الهستيريا، وعلى الرغم من الفضيحة العالمية التي أحدثتها، لا تُعَد حدثاً استثنائياً، ولا هي مجرد ارتجال قام به ضابط محلي صغير الرتبة، بل ترجمة مرة أُخرى لذهنية المستوطن المستخف بغيره، وغير الواثق بنفسه، والمطمئن إلى فاعلية الجدار الحديدي في تحييد وتبريد أي ردة فعل دولية. وهو ما يثبته النشر في صحيفة "هآرتس" الذي أشار إلى أن قائد شرطة الاحتلال في القدس أمر بمنع الأعلام الفلسطينية وسافر إلى ألمانيا.

هذا التماهي بين الذهنية وبين مَن يمارسها بهذا الوضوح نادر، حتى في دولة الاحتلال ذاتها. ذلك بأن شخصية رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينت، كضابط سابق، ومدير عام سابق لمجلس المستوطنات في الضفة، وكذلك الطاقم الذي يجلس معه حول طاولة الحكومة التي تتكون، على الرغم من تعدُّد انتماءات أعضائها، من عدد من الضباط الذين قادوا وحدات مختارة، كسيريت متكال على سبيل المثال لا الحصر، ألقت بظلالها على التعامل مع الجنازة من الشرطة وحرس الحدود، التي يقف على رأسها الوزير عومر بار ليف، ذو السجل العسكري الحافل.

روح القائد لدى نفتالي بينت سرَت على شكل خوف وجودي من إحداث اختراق في السردية/ الجدار بسبب حدث تراجيدي عالمي، فباتوا يشعرون معه بفقدان السيطرة وقرب النهاية، وهو ما تُرجم على شكل قمع وحشي واعتداء مشين على حرمة جنازة سلمية.

وإذا ما أضيف إلى هذا كله العامل النفسي والعامل السياسي الذي يتمثل في ضعف رئيس الحكومة السياسي وانعدام جماهيريته وعدم وجود قاعدة جماهيرية خلفه، كونه يقود حكومة متناقضة ومتناحرة أيديولوجياً، وفاقدة الأغلبية، ولا يمثّل إلّا ما حجمه خمسة مقاعد من أصل 120. وهذا ما يجعله يعيش شعوراً دائماً بالدفاع عن يمينيّته لتجنُّب الانتقادات الحادة التي ستوجَّه إليه من يمين المعارضة، ومن خصمه اللدود بنيامين نتنياهو، الذي سيعتبر أن رفع العلم الفلسطيني في القدس يُعَد انتقاصاً من السيادة الإسرائيلية (المدعاة) عليها، وبصورة خاصة بعد أن نجح هو سابقاً في انتزاع اعتراف أميركي بها من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب كعاصمة دولة الاحتلال، ونجح في نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها.

العُقد الشخصية والسياسية التي يعانيها نفتالي بينت، وترسّبات ماضيه في رئاسة مجلس المستوطنات، وإدارة مكتب نتنياهو سابقاً، كما حاضره الذي يتحالف فيه ما مع يُسمّى الـ"يسار"، أمور حولته إلى مهووس مصاب برهاب عقدة اسمها "بنيامين نتنياهو"، ولإثبات أنه لا يقل يمينيةً، على أمل استعادة ما تبقى من جمهور له، حوّل الجنازة إلى مسرح جريمة ضد النعش الملفوف بعلم فلسطين والمشيعين الذين يحملونه.

شيرين أبو عاقلة، الصحافية الشجاعة، المرموقة والمهنية، ارتقت من دون أي استعراض للبطولة، من دون صراخ أو استعطاف. بصمت، ومن دون خيار، مضت إلى نهاية جسدها على يد القتلة.

ليس مطلوباً من شيرين أن تكون بطلة، حتى إن الرصاصة التي قطفت روحها جاءتها من الخلف، وبشكل مباغت، لتقول لنا بذلك إنها اختارت أن تعيش، وأن عيشها الجسدي مرتبط ببقائها في تربتها الخصبة التي تغذي شغفها وعشقها في البحث عن الحقيقة ونقلها إلى العالم كما هي.

شيرين أبو عاقلة، بما تجسده من عين للحقيقة بكل شفافيتها وبساطتها ووضوحها، كانت الصدع الأول الذي هزّ هذا الجدار الحديدي. فالثغرة التي أحدثها استشهاد شيرين رسمت الحدود الواضحة بين الضحية والقاتل. وهي بذلك، وإن كانت لم تختَر موتها، إلا أنها اختارت، وعن سبق الإصرار، المكان الذي يليق بأن يكون كل واحد منهما فيه في هذا العالم.

لن ينهار الجدار الحديدي بسهولة، لكنه لم ولن يعود كما كان قبل استشهاد شيرين.

شيرين أبو عاقلة لم تختَر لحظة موتها، إلا إنها أعدّت لها كل الأسباب، كي تصبح لحظة فارقة في تاريخ شعب وضمير عالم.

بهذا الحضور الآسر من الإنسانية والرقة والأداء المهني الرفيع والانحياز إلى الحقيقة، تحولت شيرين، بموتها المباغت والغادر، إلى أيقونة وطنية وعالمية من جهة، وإلى فضيحة وثغرة في جدار دعاية الاحتلال وحصانته من العقاب، إذاً، لن تجدوا لدى شيرين أبو عاقلة وصية تقول لكم فيها ما هو المطلوب منكم.

قضية اغتيال شيرين أبو عاقلة لم تكن تحتاج إلى أكثر مما تحلّت به شيرين من صفات ومزايا، وحدها قادرة على كشف سرّ هذه القوة التي ميزت لحظة قطفها مثل زهرة برية: إنها ميزة وضوح الأشياء، بساطتها، وحقيقتها كما هي.

 

المصدر: عصمت منصور - مؤسسة الدراسات الفلسطينية