بدلًا عن فرض عقوبات رمزية بدرجة كبيرة على كوريا الشمالية كلما نفَّذتْ عملية قرصنة كبيرة، يجب على المسؤولين الأمريكيين تركيز جهودهم على وضع لوائح تنظيمية شاملة لصناعة العملات المشفرة. وحول هذه المسألة، نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية مقالًا لبنجامين آر. يونج، أستاذ مساعد في الأمن الداخلي والاستعداد للطوارئ في كلية وايلدر للشؤون الحكومية والعامة في جامعة فيرجينيا.

استهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى ما أعلنه «مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)» الشهر الماضي أن قراصنة من كوريا الشمالية تمكنوا في مارس (آذار) 2022 من سرقة أكثر من 600 مليون دولار من العملات المشفَّرة من شركة ألعاب عبر الإنترنت، شركة «أكسي أنفينيتي». وركَّزت وحدة القرصنة الكورية الشمالية، أو مجموعة «لازاروس»، هجماتها الإلكترونية في الآونة الأخيرة على تكنولوجيات سلسلة الكتل أو البلوكتشين، وتمكَّنت وحدة القرصنة هذه خلال السنوات الأخيرة من نهب حوالي 1.75 مليار دولار من العملات المشفَّرة.

ويضيف الكاتب أنه خلال السنوات السابقة رُصدَ عددٌ من عمليات الفضاء الإلكتروني التي نفذتها كوريا الشمالية، وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوباتٍ شديدة على مجموعة «لازاروس». ومع ذلك لا تزال هناك تساؤلات بشأن الكيفية التي تمكَّن من خلالها عملاء بيونج يانج للفضاء الإلكتروني من تحويل العملات المشفَّرة المسروقة إلى عملات ورقية يستخدمها نظام عائلة كيم جونغ أون، الرئيس الكوري الشمالي. كما أن هناك معلومات تفيد بأن العاصمة الكورية الشمالية، بيونج يانج، تستخدم عملات رقمية مسروقة لتعزيز ترسانتها النووية.

ويقول الكاتب: إذا كانت هذه المعلومات حقيقية، فإن العقوبات الدولية لم تنجح كثيرًا في كبح جماح التقدم الذي أحرزه برنامج كوريا الشمالية النووي الذي يحصل على التمويل من العملات المشفَّرة بحسب التقرير، وبدلًا عن ذلك ينصح الكاتب على الولايات المتحدة وحلفائها بتنفيذ الخطط الرامية إلى تنظيم الضمانات التي من شأنها إيقاف مخططات كوريا الشمالية في عمليات غسيل الأموال.

كيف تمكن القراصنة من تحويل العملات المشفرة؟
يوضح الكاتب أن عملاء الفضاء الإلكتروني في كوريا الشمالية قاموا بتحويل الرموز الرقمية الخاصة بهم إلى إيثريوم (منصة عامة مفتوحة المصدر معتمدة على سلسلة الكتل تقوم بوظيفة العقد الذكي الذي يسهل إبرام عقد على الإنترنت يحاكي العقود التقليدية في الحقيقة مع توفير عنصر الأمان والثقة) باستخدام بورصات العملة المشفَّرة اللامركزية. وبعد ذلك استخدم قراصنة كوريا الشمالية «خلاطات البيتكوين»، التي تخلط العملات المشفَّرة مع المعاملات المالية الأخرى، ومن ثم التعتيم والتشويش على أصول الأموال التي حصلوا عليها بطريقة غير مشروعة بحسب وصف الكاتب.

وتقدر شركة «إليبتيك» المتخصصة في تحليل البلوكتشين أن قراصنة من كوريا الشمالية غسلوا حوالي 18٪، أو ما يُقدر بـ108 ملايين دولار، من الأموال المسروقة خلال هجومها على شركة ألعاب «أكسي أنفينيتي». وستجعل عملية السطو المربحة تلك بيونج يانج تتمادى في هذه العمليات، وتتجرأ على تنفيذ مزيد من هجمات قراصنة كوريا الشمالية على مستهدفات البلوكتشين.

وفي الوقت الذي تُعد فيه كوريا الشمالية دولة فقيرة ليس لدى الغالبية العظمى من مواطنيها إمكانية الوصول إلى الإنترنت، نجد أن عملاءها في الفضاء الإلكتروني متطورون جدًّا وعلى دراية كبيرة بأمور العملات المشفَّرة. على سبيل المثال يهتم الكوريون الشماليون جدًّا بصك عملة مونيرو، «العملة المعدنية الخاصة». ويفضل الكوريون الشماليون هذه العملة المشفَّرة نظرًا لأن صك عملة مونيرو يمكن القيام به من خلال أجهزة الكمبيوتر التقليدية، وتظل المعاملات مجهولة، ومن الصعب جدًّا تتبع النقود.

ويستدرك الكاتب: مع ذلك لا تزال هناك تساؤلات بشأن الكيفية التي تمكَّن من خلالها قراصنة كوريا الشمالية من تحويل العملات المشفَّرة المسروقة إلى عملات ورقية يستخدمها النظام الحاكم، وأحد أكثر السيناريوهات المحتملة منطقيًّا أن كوريا الشمالية تستخدم شبكاتها غير الشرعية القائمة منذ أمد بعيد في دول العالم النامي لتنفيذ مخططات غسيل الأموال، ومنذ سبعينات القرن الماضي انخرط العديد من دبلوماسي كوريا الشمالية ومسؤولي السفارات في أفريقيا ودول جنوب شرق آسيا في أنشطة غير مشروعة، مثل تهريب المخدرات وتهريب العاج. وعلى هذا الأساس من المحتمل أن يكون النظام الكوري الشمالي قد استخدم هذه الشبكات الإجرامية السرية في نظامه الإيكولوجي للعملات المشفَّرة.

خلاطات العملات المشفَّرة
يُنوِّه الكاتب إلى أنه في الوقت الذي لن تقبل فيه معظم الشركات القانونية العملة المشفَّرة بوصفها وسيلة للدفع بدلًا عن وسائل الدفع المادية المعروفة، فقد ترغب بعض الكيانات المشبوهة المتورطة في عالم الجريمة السرية بآسيا في بيع العناصر التي تحتاجها كوريا الشمالية بشدة مقابل الحصول على العملات المشفَّرة ذات الأسعار المُبالَغ فيها؛ مما يعني أن الكوريين الشماليين الذين يعيشون خارج البلاد قد يستخدمون العملات المشفَّرة لشراء شحنات النفط والتكنولوجيا العسكرية.

ومن ناحية أخرى يمكن أن يُحوِّل الكوريون الشماليون العملات الرقمية من خلال الكازينوهات ومشروعات المراهنات الأخرى الموجودة في جنوب شرق آسيا. على سبيل المثال بعد سرقة بنك بنجلاديش الإلكتروني في عام 2016، استخدم الكوريون الشماليون الكازينوهات في جنوب شرق آسيا لغسل أموالهم المسروقة وتحويلها إلى رقائق كازينو (الرقائق البلاستيكية المستخدمة في المقامرة كبديل للنقود)، ومن ثم تحويلها إلى نقود عينية.

ويضيف الكاتب أنه منذ بداية تفشي جائحة كوفيد-19 في فبراير (شباط) 2020 لم يعد الدبلوماسيون والمسؤولون الكوريون الشماليون إلى بلادهم بسبب الإغلاق المحكم للحدود. ومع ذلك لا يزال هؤلاء الموظفون المخلصون الملتزمون سياسيًّا ناشطين على الأصعدة العالمية، ويدعمون نظام عائلة كيم، ويُحوِّلون الأموال إلى خزائن الحزب الحاكم.

ويضيف الكاتب أنه من المعروف بالفعل أن الكوريين الشماليين يستخدمون خلاطات العملات المشفَّرة حتى لا يمكن تمييز العائدات الإجرامية عن أموال العملاء الآخرين. ومع ذلك أدرك المسؤولون الأمريكيون أخيرًا أن معاقبة هؤلاء يمكن أن تقوِّض أنشطة الفضاء الإلكتروني لكوريا الشمالية. على سبيل المثال فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في 6 مايو (آيار)، لأول مرة عقوبات على خلاط العملات الافتراضية، «بلندر آي أو». وكان قراصنة كوريا الشمالية قد استخدموا هذا الخلاط على نطاق واسع في أنشطة مالية غير مشروعة.

وصرح بريان نيلسون، وكيل وزارة الخزانة المعني بشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، قائلًا: «اليوم، ولأول مرة على الإطلاق، تفرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوباتٍ على أداة خلط العملات الافتراضية. إذ تُشكل أدوات خلط العملات الافتراضية، التي تساعد في تنفيذ المعاملات غير المشروعة، تهديدًا لمصالح الأمن القومي الأمريكي. إننا بصدد اتخاذ إجراءات ضد المعاملات المالية غير المشروعة التي تنفذها جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، ولن نسمح لعمليات السرقة والنهب التي ترعاها كوريا الشمالية، وعوامل تمكينها لغسيل الأموال، أن تمر دون محاسبة».

لماذا تحتاج أمريكا إلى ضوابط تنظيمية؟
يلفت الكاتب إلى صعوبة تتبع عائدات العملة المشفَّرة المسروقة في كوريا الشمالية، كما أن مجموعة «لازاروس» بارعة في غسيل العملات الرقمية سريعًا وتحويلها إلى تدفقات مالية أكثر قانونية، ومن المرجح أن يؤدي ضخ العملة المشفَّرة المسروقة في خزائن نظام عائلة كيم إلى صمود النخبة في الحزب خلال عمليات إغلاق الحدود الواسعة النطاق في البلاد. وفي حين أن شعب كوريا الشمالية يعاني بسبب الظروف الاقتصادية القاسية، تعطي قيادة البلاد الأولوية للتطوير النووي وتطوير عمليات الفضاء الإلكتروني التابعة للنظام. وفي ظل هذه العمليات التي ينفذها عملاء النظام من السرقة الإلكترونية، يظل نظام كوريا الشمالية قادرًا على الصمود أثناء الضائقة الاقتصادية المحلية. وفي مواجهة عدوان بيونج يانج وحربها على الساحة الدولية، يجب على المحللين ومسؤولي العقوبات تقييم عمليات سرقة العملات المشفَّرة، وخطط غسيل الأموال في كوريا الشمالية بفعالية أكبر.

ويستدرك الكاتب: مع ذلك تُعد هذه أيضًا من المشكلات الهيكلية التي يواجهها اقتصاد العملات المشفَّرة. وبدلًا عن فرض عقوبات رمزية إلى حد كبير على كوريا الشمالية كلما نفذت بيونج يانج عملية قرصنة كبيرة، يجب على المسؤولين الأمريكيين تركيز جهودهم على تنظيم صناعة العملات المشفَّرة بالكامل. إن الطبيعة اللامركزية للعملات المشفَّرة تجذب قراصنة كوريا الشمالية، ويجب على حكومة الولايات المتحدة اتِّباع نهج أكثر قوة لتنظيم الصناعة بأسرها. ونظرًا لأن التكنولوجيا أتاحت إمكانية التهرب من العقوبات، تستخدم الحكومات الاستبدادية، مثل كوريا الشمالية، هذه المنصات اللامركزية لتجنب الانخراط مع المؤسسات الاقتصادية الغربية ذات اللوائح المنظَّمة.

ويختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أنه من خلال التعامل مع العملات المشفَّرة على أنها مسألة أمن قومي، يُمكن للحكومة الأمريكية فرض لوائح ضرورية على هذه الصناعة، والتأكد من أن خصومها من الأجانب لا يستخدمون وسائل التكنولوجيا لتنفيذ مخططات قذرة تُهدد الاستقرار المالي والسياسي للمؤسسات الأمريكية. وقد أصبح الاحتيال والقرصنة منتشرًا في اقتصاد العملات المشفَّرة، ويحتاج المستهلكون في الولايات المتحدة إلى فهم الآثار المترتبة على الأمن القومي لعالم التشفير غير الخاضع للوائح التنظيمية.

ساسة بوست

المصدر: ساسة بوست