فتح النظام النسبي شهية المتضررين تاريخياً من النظام الأكثري في معظم الدوائر، ومنها دائرة بعبدا التي كانت تعد منذ عام 2005 حصناً عونياً غير قابل للاختراق. الحصيلة الأولية في بعبدا، حتى الآن، خمس لوائح، تنتظر غالبيتها جلاء مفاوضات التيار الوطني الحر مع الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب الله حتى تحسم تحالفاتها وتبدأ بتشغيل ماكيناتها جدياً على الأرض

يسبق قضاء بعبدا صيته إليه: «بعبدا عونية»، أو أقله هكذا بيّنت الانتخابات النيابية الأخيرة. ولكن يبدو أن المشهد سيتغير. معظم استطلاعات الرأي تتقاطع عند القول إنّ ربح التيار الوطني الحر مضمون بمقعد واحد ويفترض أن يجتهد لضمان الفوز بالثاني. الفوز بمقعدين لا يعد ترفاً عونياً، بل سببه ضعف الأحزاب الأخرى، وخصوصاً القوات اللبنانية والكتائب التي لطالما تعاملت ببرودة سياسية مع القضاء. مع النظام النسبي، انقلب سلوك هذه الأحزاب وصارت تحتاج إلى من ينظم سيرها بسبب زحمة المرشحين واللوائح. واللافت أن المشهد البعبداوي اليوم يفتقر الى لاعب أساسي، فللمرة الأولى منذ 50 عاماً تحصل الانتخابات من دون أن يكون الدكتور بيار دكاش مرشحاً رئيسياً فيها.

شهية الأحزاب والمستقلين المفتوحة قد تجعل القضاء أمام احتمال خمس لوائح أو سيناريوات:
اللائحة الأولى هي لائحة التيار الوطني الحر التي تضم النواب الثلاثة: آلان عون، ناجي غاريوس وحكمت ديب. ووفق الاستطلاعات، بات أكيداً أن التيار سيخسر مقعداً مارونياً، على الأقل، من أصل ثلاثة، وهو ما يضع نيابة غاريوس وديب على المحك بعدما تبيّن أن آلان عون هو الأقوى في الدائرة. وفي حين يجتهد غاريوس لضمان أصوات إضافية وينجح في مصالحة خصومه السابقين كرئيس بلدية بلدته الشياح وغيره، لا يبذل ديب أي جهد استثنائي لزيادة رصيده التفضيلي. التحالفات غير محسومة حتى الآن بحسب مصادر عونية، في انتظار ما سيسفر عنه عمل اللجنة المؤلفة من النائب آلان عون ووزير الطاقة سيزار أبي خليل ومرشح الاشتراكي في بعبدا هادي أبو الحسن.

واللافت للنظر أن المناخات السلبية التي تسود العلاقة بين القوات والحزب الاشتراكي على خلفية تبني الأخير ترشيح ناجي البستاني في الشوف وعدم رغبة تيار المستقبل في التحالف مع القوات، انعكست إيجاباً على المفاوضات العونية مع المختارة، وبات احتمال التحالف بينهما حتى في دائرة بعبدا، موضوعاً في الحسبان. من جهة ثانية، يواصل التيار احتساب إيجابيات حلفه مع حزب الله وسلبياته، في ظل أرجحية التحالف، ولا سيما أن حزب الله وحركة أمل يضمنان حاصل مقعدين لمرشحيهما علي عمار وفادي علامة. ويشير العونيون الى أن علاقتهم بمرشح حركة أمل فادي علامة (صاحب مستشفى الساحل) ممتازة، «فهو شخصية محبوبة ومقربة من الجميع». أما في حال وصول المفاوضات الاشتراكية ـ العونية والاشتراكية ـ القواتية الى حائط مسدود، تبقى حظوظ لائحة حزب الله ــ حركة أمل ــ الاشتراكي مرتفعة، وفق مصادر اشتراكية، ولا سيما مع عدم دعم حزب الله لأي مرشح درزي آخر في هذه اللائحة، كما هي الحال في بيروت الثانية حتى الآن.
اللائحة الثانية تضم حزب الكتائب وناشطين مدنيين، أبرزهم بول أبي راشد وألفت السبع. حتى الآن، يجري التداول بأسماء ثلاثة مرشحين كتائبيين، الأول، هو رئيس بلدية ترشيش السابق غابي سمعان وهو من الحزبيين الناشطين في منطقة الجرد. والثاني، هو رئيس إقليم الكتائب السابق رمزي أبي خالد، والثالث عوني سابق وصديق لحزب الكتائب هو العميد المتقاعد خليل الحلو (يصعب ترشيحه في حال التحالف مع بول أبي راشد لانتمائهما الى بلدة بعبدا نفسها). تجدر الإشارة الى أنه ليس بإمكان «الكتائب» تأمين الحاصل الانتخابي بمفرده، إنما يحتاج الى حليف حزبي فاعل، لا إلى مرشحين مستقلين يأكلون من أصوات أعضاء اللائحة المفترضة، لأنه لن يكون بمقدورهم رفد اللائحة بالأصوات التفضيلية.
اللائحة الثالثة مرهونة بما ستؤول إليه التحالفات، لذلك لا يزال رئيس حزب الوعد جو حبيقة يدرس خياراته: إما التحالف مع الكتائب على اعتبار أن جمهور والده غالبيته من الكتائبيين، وإما تشكيل لائحة برئاسته. وفي حين يتحدث حبيقة عن مساندة رئيس بلدية الشياح موني غاريوس له، تفيد المعلومات بأن لا غاريوس ولا غيره من رؤساء البلديات سيشغلون ماكيناتهم ويصرفون أموالاً على معركة ليست معركتهم ولن تفيدهم سوى في زيادة خصومهم والعهد الرئاسي.
اللائحة الرابعة مرتبطة بتيار المردة الذي تتحدث مصادره عن ثلاثة احتمالات رفعتها هيئة بعبدا الى رئيس الحزب سليمان فرنجية وهي: 1- أن يعمد الحزب الى ترشيح أحد أعضائه، 2- أن يدعم أحد الحلفاء، 3- أن يؤلف لائحة بنفسه كوسيلة إثبات وجود في بعبدا. وينتظر فرنجية جلاء المفاوضات بين مختلف الأطراف حتى يبنى على الشيء مقتضاه.
اللائحة الخامسة مرتبطة بسلوك القوات اللبنانية وخياراتها الانتخابية، ولا سيما أنها تنوي تشكيل لائحة بغض النظر إن كانت متحالفة مع الاشتراكي أو بمفردها، على ما يؤكد أحد مسؤوليها. ولكن لا شك أن الحاصل الذي كانت ستؤمنه معراب نتيجة هذا التحالف بات غير مضمون، إن قررت المضي بلائحة حزبية كونها تفتقر إلى الحاصل الانتخابي ولأن مرشحها الماروني الرئيسي (الوزير بيار بوعاصي) هو شخصية حزبية قواتية وليس شخصية مستقلة قادرة على اجتذاب أصوات أخرى مثل زياد حواط في جبيل، علماً بأن بوعاصي لم يبدأ حركته إلا منذ مدة قصيرة، حيث يقوم بجولات على مختلف البلدات، واللافت أنه يحرص على إبقاء الباب مفتوحاً مع الكتائبيين عبر تليين خطابه تجاههم والحديث عن ضرورة التعاون بين الطرفين. غير أن الكتائبيين يستبعدون مثل هكذا تحالف، مؤكدين أنهم لن يحملوا بوعاصي على ظهورهم الى البرلمان. وعلى عكس السنوات السابقة، تكثف القوات نشاطها في بعبدا، ما يعكس إصراراً على الفوز بهذا المقعد. كذلك تسعى اليوم الى جمع كل القوى المناوئة للتيار الحر تحت كنفها، ومن ضمنهم النائب السابق صلاح حنين. وكما الحال لدى الكتائب، فإن القوات بحاجة الى حليف قوي لخوض الانتخابات في بعبدا، لذلك هناك من يقول إن تشكيل لائحة بمفردها أمر مستبعد جداً.

المصدر: جريدة الأخبار - رلى إبراهيم