الوجهة جنوب، والزمان صباح أعدّت له المقاومة زينته، ونيسان يزفّ إلى الحريّة عروس الجنوب. في مثل هذا اليوم من العام ١٩٨٥، دوّى عزم صبيّة من عنقون وكلّ التراب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ على معبر باتر/جزين واستحال انفجارًا اخترق صدر الاحتلال. اسمها في الهوية سناء محيدلي، وفي سجلّات العزّ المقاوم "بطلة استشهادية".

ابنة الثمانية عشر ربيعًا وجدت في ربيع أرض الجنوب المحتلة ترابًا عزيزًا تزرع فيه روحها التي تقاوم لتنبتَ رعبًا يلتفّ في قلوب جنود العدو. مضت في سيارتها المفخّخة المعدّة للتفجير إلى المعبر الذي يستبيح فيه الصهاينة أرض البلاد وكرامات الناس، بعد أن قامت بتسجيل وصيّتها التي تستهلّها بـ: "أنا الشهيدة سناء محيدلي، عمري ١٨ سنة، أنا من جنوب الشهداء...".

في تلك الأيام الصعبة، كانت القاعدة في لبنان تقول إنّ العين لا تقاوم المخرز، وإن لا أمل بنصرٍ في مواجهة مع "جيشٍ لا يُقهر"، وإن المقاومة فعل مغامر. وكان الصهاينة يحسبون احتلالهم للبنان نزهة يمكن "للفرقة الموسيقية" في جيشهم أن تحسمها، وكان جمعُ المقاومين "قلّة" تقاتل بما تيسر من السلاح وبالصدور التي لا درع يحميها إلّا كبرياء الأحرار وعزمهم على القتال وإيمانهم بأن النّصر حتميّ مهما تأخّر ومهما بدت ظروفه مستحيلة.

وكانت سناء، الشاهدة على القهر الجنوبي، ترفض الانصياع لمشروع الهزيمة وتستمدّ من فكرها القوميّ السوريّ ومن كلّ حكايات المقاومة عزمها على "القيام بواجبها" في سبيل التحرير.

في مساء ذلك اليوم، أطلّت الشهيدة عبر شاشة التلفزيون الذي بثّ وصيّتها وكانت قد سجّلتها في متجر لأشرطة الڤيديو (حيث كانت تعمل).. أذهلت عيون الناس الذين أصغوا إلى كلماتها الواثقة وإلى عينيها وهي تقول: "أنا من الجنوب المحتل المقهور، من الجنوب المقاوم الثائر. أنا من جنوب الشهداء، من جنوب الشيخ الجليل راغب حرب، جنوب عبد الله الجيزي، حسن درويش، نزيه القبرصلي، من جنوب بلال فحص، وأخيرا وليس الأخير جنوب الشهيد البطل وجدي الصايغ". بدت كمن يقطف وردًا من حديقة الشهداء لتجمعه في باقة من حبّ لمس قلوب المقاومين كلّهم، ولمس قلب تراب الجنوب.

ربّما لو أمكن تصوير دخولها إلى المعبر بسيارتها وتوجهها نحو قافلة صهيونية من الآليات والجنود، لاستطعنا رؤية ابتسامتها فيما تستعجل ضغط زر التفجير.. فالمشهد في عيون الشهداء شديد الوضوح، ولهذا يوقن القلب أنّها لمحت مشاهد تحرير الجنوب في العام ٢٠٠٠ وهي تتشظى قنبلة في قافلة الأوغاد، ولا شكّ أنّها بحواس قلبها الاستشهاديّ النقيّ شهدت كيف استحال فخرهم العسكري رمادًا يلوذ بالفرار في وديان الجنوب في تموز ٢٠٠٦، وحكمًا لمحت رعبهم الذي تراكم الى حدّ وقوفهم "على اجر ونص" يستجدون دقيقة أمان واحدة تقنع المستوطنين أنّ اسرائيلهم لن تزول.

في مثل هذا اليوم، حلّت سناء محيدلي شمسًا تسابق الظهيرة إلى التربّع في وسط السّماء.. ذهبت إلى حيث يذهب الفدائيون، ووُلدت شهيدة لا تُنسى، ولا تشيخ..

المصدر: ليلى عماشا‎ - موقع العهد