«وِلْعِتْ» بين مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل سليم جريصاتي أمس. الجسمُ الذي يعمل بصمت لكونه محكوماً بـ«موجِب التحفّظ»، فلا يردّ ولا يساجل إعلامياً، طفح الكيل معه. وزير العدل تجاوز الحدود في رسالة مُعلَنة مفاجِئة إلى القاضي جان فهد، فردّ مجلس القضاء بشدّة. القضاة لم ينتفضوا لأن الوزير خاطبهم بلغة غير مقبولة منهم وحسب. ثمة كباش على الصلاحيات بين المجلس والوزير عنوانه تعديل المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي التي تمنح الوزير صلاحيات واسعة للتدخل في عمل مجلس القضاء. والأهم، ربما، أن الحكومة وضعت نصب أعينها، مرة جديدة، بعض «الامتيازات» المالية التي يحظون بها

«طفح الكيل». عبارة قد تكون الوحيدة على لسان كل قاضٍ تسأله عمّا يجري بين مجلس القضاء ووزير العدل سليم جريصاتي، بعدما انفجر الخلاف في العلن أمس. لقد نشر جريصاتي رسالة «نمّر» فيها على مجلس القضاء، بعدما انتقد «اعتكاف بعض قضاة لبنان عن أداء رسالة العدالة السامية»، بقوله إنّ ذلك «يحمل أكثر من دلالة، قد يكون أقلّها عدم انتظام العلاقة بين قضاة لبنان ومجلس القضاء الأعلى». وضمّن رسالته عبارات مستفزة لمّح إلى أنّ مجلس القضاء يتكتّم عمّا يقوم به الوزير في سبيل القضاة، مؤكداً أنّهم «غير متروكين لمصيرهم». وتحدّث عن «مكامن خلل في الجسم القضائي»، مشيراً إلى إنجازات تحققت في هذا العهد، قبل أن يختم بأنّ على «كل من الوزير ومجلس القضاء الأعلى تحمّل مسؤولياته عندما تسود أجواء غير صحية أروقة قصور العدل ومكاتبها وأقواسها». 
لم تكد هذه الرسالة تنتشر، حتى عاجله رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد باسم المجلس وكل قضاة لبنان ببيان غير مسبوق. جاء ردّ القضاة على هجوم وزير العدل التأنيبي ولهجة الأمر التي خاطب بها مجلس القضاء، قاسياً جداً. إذ لم يسبق لوزير عدل في تاريخ الجمهورية اللبنانية أن تجرّأ على مخاطبة مجلس القضاء بهذه الطريقة. فقد حمّل مجلس القضاء، بعدما عقد جمعيتين عموميتين الاثنين والأربعاء، وزير العدل كامل المسؤولية عن تردّي الأوضاع في المرفق القضائي وغطّى اعتكاف القضاء. ردٌّ وضع الانتخابات في مهبّ الريح. 
حاولت «الأخبار» الاتصال بجريصاتي، لكنه لم يُجب. أما القضاة، فكان موقفهم واحداً. الاستياء واضح عند معظمهم. أحد أعضاء مجلس القضاء الأعلى قال لـ«الأخبار» إن «موقف المجلس واضح ضد الاعتكاف لأنه غير منتج، بل قد يؤدي إلى أثر سلبي بفعل تعطيل حقّ المواطن. السلطة لا تعتكف. لكنهم (السلطة السياسية) لم يتركوا أمامنا أي خيار». وأضاف: «هذا الوزير نفسه أجهض فرصة استقلالية القضاء. المادة الخامسة (من قانون القضاء العدلي، التي تحدد صلاحية مجلس القضاء الأعلى وتمنح وزير العدل صلاحيات واسعة) عملنا سنة ونصف سنة سعياً إلى تعديلها للتحرر من السلطة السياسية، فجاء الوزير وأجهضها. سحَبَ اقتراح التعديل بحجة إعادة دراسته، لكنه سحبه للقضاء عليه».

 

وفي السياق نفسه، قال أحد القضاة المعتكفين: «لن يقف الأمر عند هذا الحد. نحن مع التصعيد لأن الوضع لم يعُد يُحتمل. لقد صدرت حتى اليوم أربعة قوانين تمسّ بالقضاة وحقوقهن». يعتبر القضاة أنّ الوزير يعطّل عمل السلطة القضائية، ويرون أنّ بيان مجلس القضاء التصعيدي لا يعني سوى شيء واحد: «الوضع لم يعد يُحتمل». قاضٍ آخر يقول: «ليس لدينا امتيازات كقضاة كما في فرنسا. لدينا ضمانات، لا يمكن المشترع أن يُلغيها. مسموح له تعزيزها. ثمة مَثَل بقول: لا تهزّو واقف عشوار». ويضيف: «السلطة التنفيذية والتشريعية وضعتنا في موقع المستجدي. لماذا التشفّي بالقضاء؟».
مجلس القضاء رأى أن وزير العدل يُريد تظهير القضاء بأنّه لا يقوم بواجبه، لكنه برده تجاوز جزئية الرد عليه ليتحدث عما يُثقل كاهل «الرياس». لذلك ردّ القضاة في بيانهم بالقول: «اعتكاف بعض قضاة القضاء العدلي والإداري والمالي عن أداء مهامهم القضائية، مرده إلى اعتماد الحكومة، في بعض مشاريع القوانين التي أرسلَتها إلى المجلس النيابي، نهجاً لم يكن مألوفاً سابقاً في التعامل مع السلطة القضائية، بحيث أدى ذلك إلى شعور القضاة بأنهم مستهدفون، ليس فقط في ضماناتهم المالية، بل أيضاً في كرامتهم الشخصية». وأشار البيان إلى سحب الحكومة اقتراح القانون المقدّم من قبل رئيس لجنة الإدارة والعدل حول تعديل المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي، الذي كان مدرجاً على جدول الجلسة التشريعية. ليس هذا فحسب، بل «تقدّمت لاحقاً بمشروع قانون أمام المجلس النيابي رفعت فيه رواتب بعض الموظفين لتصبح أعلى من رواتب القضاة، ومنحتهم ثلاث درجات أقدمية بصورة استثنائية؛ كما أنها قرّرت تنظيم العطلة القضائية في قانون يعالج أوضاع الموظفين؛ وقرّرت إعادة النظر بالتقديمات الاجتماعية طالبة إجازة المجلس النيابي في توحيد تقديمات صناديق التعاضد ومنها صندوق تعاضد القضاة، وقد تمّ إقرار هذا القانون بالرغم من اعتراضات مجلس القضاء الأعلى». بالنسبة إلى القضاة، لم يقف الاعتداء على القضاة عند هذا الحد. فأشاروا إلى أنّه «تمّ سابقاً، وبموجب قانون السير، انتزاع رمز التسجيل الخاص بسيارات القضاة، رغم أن القضاة لا يتمتعون بامتياز الحصول على سيارة رسمية، بل يتنقلون إلى أعمالهم القضائية بسياراتهم الخاصة دون سائق رسمي؛ وجرى كذلك حرمان صندوق تعاضد القضاة قسماً أساسياً من موارده العائدة من محاضر ضبط السير». 
سرد البيان صولات القضاة وجولاتهم ومعاناتهم مع وزير العدل وسلطته السياسية، فذكروا أنهم تقدّموا منه «بمشاريع قوانين لتعديل سلسلة الرتب والرواتب الجديدة ولتعديل قانون السير ولتنظيم العطلة القضائية ولزيادة ثلاث درجات استثنائية للقضاة»، كاشفين أنهم علّقوا اعتكافهم الذي أُعلن في شهر آب من عام 2017 على أمل إقرار هذه المشاريع؛ لكن شيئاً لم يحصل. وختم القضاة بيانهم بالقول: «إن اعتكاف بعض القضاة اليوم ليس الأول في تاريخ لبنان الحديث، فقد سبق أن اعتكف عدد غير قليل من القضاة في عام 1982، ولم يتمّ وضع حدّ لهذا الاعتكاف إلا بالاجتياح الإسرائيلي، إلا أن الحكومة عادت واستجابت حينها لطلب إنشاء صندوق تعاضد القضاة لتطوير تقديمات القضاة الاجتماعية والصحية». وأشاروا إلى أنّ «بعض القضاة يرون في الاعتكاف وسيلة لردّ الاعتداء على كرامتهم وضماناتهم وحقوقهم المكتسبة التي أعلن المجلس الدستوري مراراً وجوب احترامها». وعلّق القضاة على لهجة الأمر التي خوطبوا بها بالقول: «أما بالنسبة إلى تعميم الكتب التي وجهتموها إلى مجلس القضاء الأعلى، فإنه لا يعود لمعالي وزير العدل توجيه تعاميم للقضاة، كما أن المجلس لا يُعَدّ أداةً تنفيذية لهذه الغاية، عملاً بمبدأ استقلالية السلطة القضائية. ولا يجوز لأي سلطة دستورية أن تطغى بعملها على عمل سلطة أخرى».

المصدر: جريدة الأخبار - رضوان مرتضى