يعيش بيننا، معنا، مثلنا..
تجمعنا به الطرقات المثقلة بالتعب، والأيام الحافلة بالهمّ، والأسقف الساترة للدّمع، وأرصفة المدينة التي بحنوّ حوت كلّ القرى وصارت ضاحية حبّ ومقاومة..
نتشارك وإيّاه يوميات القهر المخضّب باليقين بغدٍ أجمل، وشمسُ الشّتاء التي تحلّ على القلوب كتربيت الدفء على كتف أتعبه الصّقيع، وسيول المطر التي بها تغتسل الجدران والقلوب..
نسمع وإياه صوت المآذن عند الفجر، وترقّب أطفال المدارس بانتظار بدء اليوم، وبسملات العمّال فينا يتهيأون لتعب جديد، وترانيم الحمد بعد يوم من عرق وكدّ..
هو بيننا، مثلنا تستوقفه مشادّة كلامية بين سائقي السيارات، وواجهات المحال الملوّنة بالشقاء، وصور الشهداء.. أجل، تستوقفه كما تستوقفنا صور الشهداء مع فارق أنّه يعرفهم، روحًا روحًا، وعطرًا عطرًا، وصوتًا صوتًا، فيكون ألمه أعمق وافتخاره أعلى.. تستوقفه وتسير به إلى ذاكرة تجمعه بهم، إلى مشهد تبادل فيه معهم علوّ الولاء للحقّ..
هو معنا، يرى حجم التعب المحيط بعينينا حين الغروب، ويسمع بين أزقّة البيوت، بيوتنا، وقع الضحكات التي تسخر من التحديات اليومية، ويستطيع أن يلامس هنا جدارًا تتكىء عليه ذاكرة حرب، وحكاية عزّ.. يصغي بكل ما فيه من أسرار العشق إلى صوت الأولاد قُبيل النوم، وتنهّد الآباء حين حمدٍ ووعدٍ بهدايا حين يحين الفرج، وصمت الأمهات حين ترتقن ثقوب الثياب بالصبر وحسن التدبير..
هو مثلنا، لم يتعرّف إلى ملعقة الذهب حين وُلد ولم يسعَ إليها، يعتزُّ بنعمة التعب من أجل لقمة خالية من التّرف، وحياة لم تتلوّث بالدّلال.. 
مثلنا، يحدّق في تجاعيد مسنّ يصارع الأيام كي لا تغلبه الحاجة، ويتألم إن صفعت فاتورة ظالمة وجهًا يلمع بعرق الجهاد في سبيل عياله، ويبتسم لطفل يمسك بيد أبيه ويخبره بكلمات غير مفهومة عن تفاصيل يومه في المدرسة، أو لآخر يلاحق الطابة في شارع فرعي ويضحك عاليًا ما إن يلتقطها..
وهو سيّدنا، سيّد قلوبنا الذي إن لمحناه وددنا رصف حبات العيون ستارًا يقيه شرّ عيون الظالمين، والذي نراه في صدر كلّ مشهد يذكّرنا أنّ مدينتنا قاومت وانتصرت وعادت أجمل ممّا كانت، والذي نأنس بصوته وبحضوره في أحاديثنا اليومية، وفي نقاشاتنا الحادة، وفي أدعيتنا الدامعة، وفي تحياتنا التي نلقيها على الجيران حين ذهابنا إلى ما ينتظرنا من تعب النهار..
هو بيننا، معنا، مثلنا، ولهذا نحبّه، ولهذا نشعر نحوه بفيض من الإمتنان الخجول، وبسيل من الحياء المرصّع باعتذارات لا تنتهي عمّا فعل السفهاء.. لذلك، رغم انتظارنا الملهوف لمشاهدة ما يوثّق مروره في الشوارع، ندرك أن لا حاجة لنا بالصور كي نتأكّد من حضور نلامسه بنبضنا كل يوم.. وندرك أن معاديه، سواء المحليين أو المنتشرين في كل الأرض يظنون أنهم حققوا انتصارا إذ ظنّوا أنهم قيّدوا أيامه خلف جدران تقيه شرّهم، فيمكننا منذ الآن وقبل عرض المشاهد على قناة المنار مساء اليوم، أن نرى ملامح الخيبة على وجوههم، وأن نسمع ونقرأ كلمات هزيمتهم المستمرة منذ ما قبل تموز ٢٠٠٦ وإلى الأبد..

المصدر: خاص شاهد نيوز

المقالات الواردة في الموقع تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي إدارة الموقع